* أن هذه الورقة البحثية - ليست إلا مقدمات أفتراضية للمشاهدات الواقعية عن علاقة المرأة والقانون فى المجتمع المصرى خلال الفترة من 1976 وحتى الأن ليست مؤيدة بالأرقام أو بيانات أحصائية .. لكنها تصلح كمادة للعمل بها ومن خلالها فى البحث بشكل أوسع عن علاقة المرأة بالقانون كمفترض أما تثبيت صحته أو عدم صحته من خلال عمل منهجى وجماعى بجهد أثر دقة وأتساعاً ..
*والحديث فى تلك الورقة ليس عن قوانين الأحوال الشخصية ( قوانين الأسرة ) المنظمة لعلاقة الرجل والمرأة من خلال الأسرة ( الطلاق - الزواج - الطفولة .... إلى أخره ) وأنما يتسع لنظرة أوسع لعلاقة المرأة بالقانون بالمعنى الشامل .. من حيث صناعة القانون من ناحية ( صياغة وإعداد وإصدار النص التشريعى ) ومن حيث تطبيقه وأعماله من ناحية أخرى ( أى المرأة ومهنة القانون ) من حيث وضعها كمحل للتنظيم التشريعى بأشكاله وأحكامه المختلفة كناحية ثالثة وأخيرة .. أى يتسع لعلاقة المرأة بالنص التشريعى من حيث اللحظة الأولى لبدايته كفكرة إلى منتهاه فى التطبيق الواقعى واليومى .. من حيث وضعها كمحل للتنظيم التشريعى بأشكاله وأحكامه المختلفة كناحية ثالثة وأخيرة .. أى يتسع لعلاقة المرأة بالنص التشريعى من حيث اللحظة الأولى لبدايته كفكرة إلى منتهاه فى التطبيق الواقعى واليومى ..
وجدير بالذكر وقبل الخوض فى تفصيل الورقة البحثية ومحتواها الرئيسى .. ذكر عدة ملاحظات هامة قائمة بالأساس على الرؤى والمشاهدات الواقعية ..
1) الملاحظة الأولى :
أن علاقة المرأة المصرية بالقانون - علاقة هامشية فى جوانبها المختلفة الأمر الذى أنعكس سلباً على أحوالها وحقوقها القانونية وممارستها الواقعية ..
2) الملاحظة الثانية :
أن النص التشريعى - القاعدة القانونية - ليست مجردة وعامة ومحايدة حسب المفهوم الأكاديمى ولا تنطبق على كل الناس المخاطبين بها فى أى مكان وكل زمان .. بل هى منحازة بالضرورة لهذا الطرف أو ذاك الخاضعين لتنظيمها فى هذا الموضوع أو ذاك .
فالنص التشريعى - هو أحد أدوات النخبة الحاكمة ( الطبقة الحاكمة ) فى الدفاع عن مصالحها وتكريسها هذا من ناحية - ومن ناحية أخرى فأن تطبيقه وأعماله يتأثر ويتغير برؤية وقيم ومعتقدات وتقاليد وأفكار ومفاهيم القائمين على تطبيقه - فذات النص التشريعى يختلف من حيث التطبيق الواقعى بين شخص وآخر وقت تطبيقه حسب تكوين كل منهم وماهيته ، ويظهر ذلك فى أطار السلطة التقديرية للقاضى فى التعامل مع النص التشريعى ومن ثم فغياب المرأة عن التأثير على النص التشريعى وعلى الأخص تطبيقه وأعماله من شأنه أن يؤثر فى طبيعة تطبيقه وكيفيتها .
وجدير بالبيان أن محتوى الورقة :
1) لا يعنى الأهدار لأية جهود نسائية فى أنشاء وتدعيم وتقوية حركة نسائية ناجحة ومؤثرة وفعالة ومتصلة بجماهير النساء..
2) وأيضاً لا يستهين بالجهود التى بذلت وتبذل من بعض النساء لمحاولة كسر العزلة والتأثير فى المجتمع على نحو يحقق المصالح الحقيقية للنساء وبالتبعية للمجتمع .
3) وهو أيضاً لا يفصل بين النساء وبقية طبقات المجتمع - كجزء من كل طبقة ولا يضع النساء فى مواجهة الرجال - أو بشكل منفصل عن الطبقات الأجتماعية وأعلى منها.
4) ولا ينظر إلى حركة النساء بمعزل عن الحركة السياسية المصرية ككل . ويلاحظ أنطباق القوانين الموضوعية السارية عن تلك الحركة ومن ضمنها النساء برصد المعوقات والقيود الإدارية والأمنية والقانونية التى تحول بين فعالية أجتماعية وسياسية أكبر للحركة السياسية بجميع أشكالها وروافدها ومن ضمنها النساء ..
5) وأيضاً لا ينكر خصوصية قضايا المرأة ووضعها الأجتماعى - بما يجعل لها تعقيدات خاصة تشترك فيها النساء جميعاً بصر ف النظر لأنتماءاتهن الطبقية وأن كان بغير أهدار لذلك أيضاً ..
وينقسم البحث إلى ثلاث أجزاء :
1) المرأة وصناعة النص التشريعى .
2) المرأة ومهنة القانون .
3) المرأة محل للتنظيم التشريعى والقانونى
الجزء الأول - المرأة وصناعة النص التشريعى
* مازالت المرأة المصرية بعيدة عن صناعة النص التشريعى - الأمر الذى يؤدى إلى ظهور قوانين ونصوص تشريعية بعيدة كل البعد عن مصالح المرأة ورؤيتها لعلاج قضاياها ومشاكلها ..
* فعلاقة المرأة بالمؤسسة التشريعة - علاقة هامشية وضعيفة .. فعدد المشاركات فى المؤسسة التشريعة ( مجلس الشعب) على مدى أربعة مجالس أبتداء من عام 1976 , 1979، 1984, 1987 - عدد قليل وغير مؤثر أو فعال فى صناعة النص التشريعى - إذ لا يتجاوز العدد - 45 - أمرأة - ويلاحظ أن مجلس الشعب عام 1984 شهد أكبر تواجد عددى للنساء بحكم التعديل الذى أدخل على قانون الانتخاب والذى فرض ضرورة أنتخاب ثلاثين أمرأة عن ثلاثين دائرة أنتخابية فى مقعد خاص للمرأة .. وأن كان جدير بالذكر - أن المحكمة الدستورية العليا قد أنتهت إلى عدم دستورية النص المذكور لأخلاله بقاعدة المساواة المنصوص عليها فى الدستور !
وبالنظر إلى عدد النساء المشاركات - نلاحظ أنه قليل إلى حد يجعل العضوات غير مؤثرات فى أى تصويت أو مناقشة - هذا ناهيك عن طبيعة السيدات المشاركات وانتماءاتهم السياسية ( فمعظمهن أو كلهن ) كانوا عضوات فى الحزب الحاكم ( حزب مصر سابقاً.. الحزب الوطنى حالياً ) وبعضهن عضوات لعدة مجالس متعاقبة - والبعض الأخر حديث العضوية - ويجمع بينهن جميعاً أنهن غير معبرات بدرجة كافية عن الحركة النسائية المصرية ( النساء المصريات ) ولم يخضعن لقانون الأنتخاب الطبيعى ولم تفرزهن حركة نسوية ..
بل يلاحظ على نشاط النساء فى المجلس أنه لا يتغير ولا ينفصل عن أحزابهن الممثلات لهن والعضوات فيها - فلم يحدث - أن تصدت النسوة جميعهن على أختلاف منابعهن لقضية نسائية - أو طرح قانون أو مشروع قانون أو تعديل نص - على نحو يمثل أو يحقق مصالح المرأة .. وأنحصر نشاطهن - إن وجد - فى مسائل قوانين الأحوال الشخصية بحسبها - حسب اعتقادهن - المسألة الهامة والوحيدة بالنسبة للمرأة المصرية .. هذا عن المشاركة النسائية فى مجلس الشعب ..
* أما عن التركيبة السياسية لمجلس الشعب نفسه فى مدده الأخيرة ( 1976 - 1987 ) فيلاحظ عليها .. سيادة وهيمنة الفكر الرسمى - ممثلاً فى الحزب الحاكم ( حزب مصر - حزب الوطنى ) والذى حظى بالأغلبية العددية للمجلس طوال السنوات المشار إليها - سواء كان ذلك فى ظل نظام الأنتخاب الفردى - أو الانتخاب بالقوائم - أو الأنتخاب بالقوائم مع ترك بعض المقاعد فى بعض الدوائر للمستقلين .
فعدد أعضاء المعارضة السياسية المشاركين فى مجلس الشعب لم يصل إلى 1/4 أو 1/3 أعضاء المجلس فى أى من السنوات المذكورة .. كذا يلاحظ غياب ممثلى اليسار عن التمثيل بشكل شبه كامل فى مجلس الشعب ..
والنظر السريع إلى تركيبة أعضاء المعارضة السياسية فى مجلس الشعب ( سواء مشاركة حزب الوفد متحالفاً مع الأخوان المسلمين 1984 - أو حزب العمل متحالفاً مع التيار الدينى بكافة صفوفه 1987 - أو حزب الأحرار سواء بالأنتخاب أو بالتعيين ) يوضح غياب مشاركة المرأة ويفسره - كذا يشير إلى طبيعة الفكر الرجعى والسلفى المسيطر دون نزاع على مجلس بأختلاف الطبيعة السياسية لأعضائه ..
* بل أن الأحزاب السياسية جميعها المشكلة لمجلس الشعب - تعبر عن طبقات أجتماعية لا تمثل بالنسبة لها وضعية المرأة أية مشكلة حقيقية - ومن ثم فحتى لو تصورنا جدلاً مشاركة أوسع نسبياً للمرأة من خلال تلك الأحزاب - ما تغيرت الصورة .
* بل أن تلك الأحزاب السياسية سواء فى برامجها السياسية أو برامجها الأنتخابية لم تولى المرأة أية أهمية نسبية وربطتها أساساً بقضية الطفولة .. دون منظار جدى لقضية المساواة فيها بينها وبين الرجل على نحول فعال وحقيقى ..
وننتهى مما سبق جميعه إلى أن تركيب المؤسسة التشريعية ( مجلس الشعب ) سواء من حيث طبيعة الأحزاب السياسية المشكلة له - أو قلة عدد النساء المشاركات والعضوات فيه - يؤدى بالضرورة إلى غياب المرأة عن صناعة النص التشريعى والتأثير فيه ..
* ويلاحظ أن على مدى السنوات الأخيرة - أنه لم تنجح المرأة المصرية فى الدخول إلى مجلس الشعب على مقعد المستقلين ، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل التى لا يتسع البحث الحالى لتناولها .. إلى جانب عجز الحركة النسائية المصرية - سواء فى شقها الأجتماعى - أو وجهها السياسى عن إفراز القائدة النسائية البارزة التى تحظى بالقبول الجماهيرى العام مما يضمن لها الدخول إلى مجلس الشعب بغض النظر عن الأنتماء إلى حزب سياسى - وإن كان ذلك لا ينال من التقدير الذى تحظى به العديد من الشخصيات النسائية فى العديد من الواقع والدوائر - إلى جانب أن أتساع الدوائر الإنتخابية من ناحية وخلط الريف بالحضر فى ذات الوقت من ناحية أخرى - وأرتفاع تكلفة الدعاية الأنتخابية كل هذا أثر بالسلب على مشاركة المرأة فى دخول المؤسسة التشريعية الأمر الذى تسبب فى أنعدام المشاركة النسائية المؤثرة فى المؤسسة التشريعية ..
* وقد تسبب كل ما تقدم فى أن يصبح النص التشريعى بعيداً عن المرأة ومشاكلها الأجتماعية .. فجاءت النصوص بحلول غير مجدية للمشاكل التى تعيشها المرأة - مثال ( النص الخاص بإلتزام المؤسسة بعمل دور حضانة لأولاد العاملات إذا وصل عدد العاملات فيها مائة عاملة فأكثر - دون مراعاة لمشاكل النساء العاملات فى المؤسسات ذات العمالة النسائية الأقل ).
أيضاً ( النص الخاص - بمسكن الحضانة وتخيير المطلقة بين أجرة سكن أو البقاء فى مسكن الزوجية بالتجاوز عن أزمة المساكن الطاحنة - وأيضاً أنحصار النص بالنسبة للمساكن المؤجرة دون تعميم ذلك على المساكن التمليك مع أنتشارها هذه الأيام ).
بل أن تلك التركيبة الأجتماعية والسياسية لمجلس الشعب وسيادة المفاهيم الرجولية فيه وأرتفاع صوت الفكر اليمينى والرجعى والسلفى - قد عطل يد التعديل لبعض النصوص التى تعالج بعض المشكلات على نحو خاطئ ولا تراعى وضعية المرأة - أو يعالجها على نحو متعسف على حساب المرأة كمثال النصوص الواردة بقانون العقوبات والتى سيرد ذكرها تفصيلاً فى الجزء الثالث من هذه الورقة .
ونخلص مما سبق جميعه - أن غياب المرأة عن المؤسسة التشريعية أثر سلباً وما زال فى صياغة النص القانونى وتصوره للحلول التشريعية وأيضاً الردع القانونى - بل أثر فى الحياد والتجريد المتصور للقاعدة القانونية .
المرأة - الجماعات الضاغطة - التأثير على الرأى العام :
وإذا كانت صناعة النص التشريعى تتم من خلال المؤسسة التشريعية وهى - على النحو السابق بيانه - لا يوجد تأثير جوهرى رئيسى فيها للمرأة . فأنه على المستوى الأجتماعى لا تأثير للنساء عبر الحركات المنظمة ( أجتماعياً - سياسياً ) للتأثير على الرأى العام ولفت انتباهه لبعض القضيا ذات الأهمية فلم توجد بعد الجماعات النسائية الضاغطة - سواء منظمة أو شبه منظمة - ذات التأثير الاجتماعى الواسعى التى من شأنها تبنى بعض المشاكل وإثارة اهتمام الرأى العام بها - عبر قنوات التأثير والأتصال المختلفة - بما يحمل وجهة نظرهم إلى المؤسسة التشريعية - لتنظر مجبرة فى هذه المشكلة أو تلك وتضطر إلى مناقشة الأمر ومراعاة وجهة النظر النسائية عند علاجه ووضع النصوص المنظمه له .. وأن كان ذلك لا ينكر الاحتجاج النسائى الغير موحد فى وجهة النظر ولا طريقة الحركة ..
فالملفت للنظر - أنه عند صدور قانون الأحوال الشخصية عام 1979 - بتعديل بعض أحكام القوانين القائمة ذاك الوقت والتى مازالت قائمة حتى الأن - ثار الرأى العام ضد القانون بتحريض من المؤسسة الدينية التى أنتهت إلى عدم شرعية بعض نصوص ذاك التعديل.
ورغم أن التعديل المذكور - كان قاصراً ومحبطاً لآمال العديد من النساء إذ أنه لم يأتى بأضافات وتغييرات جذرية من شأنها التأثير فى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة فى أطار الأسرة - ولم يتقلص الحقوق المطلقة للرجل فى مواجهة الأسرة والزوجة - رغم ذلك ولمجرد أعطاء بعض الفتات للمرأة - مثل ( مسكن للأطفال فى سن الحضانة - ضرورة أخطار الزوجة الأولى بالزواج الثانى لزوجها - أعتبار الزواج الثانى ضرراً مستوجباً للطلاق ) ثارت الدنيا ولم تهدأ وأمتلأت الصحف والمجلات بالفتاوى الدينية بمخالفة هذه التعديلات للشريعة الإسلامية .
واستمرت تلك الضجة حتى أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بعدم دستورية القانون المذكور بسبب عيب أجرائى فى صدوره - إلا أن المعارضين لذلك القانون اعتبروه نصراً شجعهم على مزيد من الهجوم والتشدد - حتى إذا نظر مشروع القانون أمام مجلس الشعب - أضيفت إليه كثير من التعديلات أفقدت المرأة حقوقاً كان منحها لها القانون السابق .
فى ذلك الوقت - عند صدور القانون ( 1979 ) لم تستطع المرأة على نحو ناجح مخاطبة الرأى العام وطرح وجهة النظر المغايرة عليه أو شرح الأمر والمطالبة بالمزيد من الحقوق والتغيرات الجذرية وأن كان الأمر لا يمنع من أرتفاع صوت هنا أو هناك - وفى عام ( 1985 ) ومع الأستعداد لمناقشة مشروع القانون الجديد عقب حكم الدستورية العليا - فشل التجمع النسائى الذى نتج أثناء وبسبب ذلك الظرف - أن يطالب المؤسسة التشريعية بتوسيع الحقوق النسائية فى ذلك القانون وتقليص هيمنة الرجل وسلطانه - بل أنحصر الأمر فى الدفاع عن قانون 1979 وما ورد فيه .وفى الحالتين خسرت الحركة النسائية تأثيرها على الرأى العام وفشلت فى توصيل صوتها على نحو ملزم للمؤسسة التشريعية لتبنى رأيها فيما هو مطروح عليها - أو حتى مراعاة وجهة نظرها ..
ويبين من هذا المثال - أنه حتى فى أطار الضغط الأجتماعى المؤثر والذى من شأنه صياغة النص التشريعى صياغة شعبية ليصل به إلى المؤسسة التشريعية لأصداره بعد وضعه فى قالب قانونى - لم تنجح المرأة أو تؤثر بالدرجة الكافية والناجحة .
ويلاحظ مما سبق بيانه - أنه وللأسف - مازالت المرأة المصرية بعيدة عن صناعة النص التشريعى - لوجودها خارج المؤسسة التشريعية أو لوجودها الرمزى غير الفعال فى صياغة القوانين بها - وأيضاً لعدم وجود جماعات نسائية ضاغطة قوية معبرة عن عموم النساء - تلك الجماعات التى من شأنها أثارة الرأى العام بقضاياها ودفعة إلى تبنى مطالبها بما فى ذلك أعضاء المؤسسة التشريعية - الأمر الذى يجعل النص التشريعى بعيداً عن تحقيق الصالح العام للنساء وبعده عن التناول الصحيح لقضاياهن - الأمر الذى يؤثر على حقوقهن فى أطار الحياة اليومية - كما سيظهر من بقية البحث...
الجزء الثانى- المرأة ومهنة القانون
* أستطاعت المرأة المصرية أن تثبت نجاحاً وكفاءة مشهورة وبغير خلاف فى العديد من المجالات العملية التى خاضتها - وعبر التقدم الأجتماعى ومنذ سنوات شغلت المرأة المصرية العديد من الوظائف والمهن التى كانت حكراً على الرجال فيما سبق - وأثبتت فيها نجاحاً مهد الطريق لمزيد من أكتساب الفرص فى التأثير على الحياة العملية والمهنية فى المجتمع ..
ولا مجال للحديث أو التباهى - بأن المرأة المصرية شغلت منصب السفيرة والوزيرة وعملت كطبيبة ومحامية ومهندسة بل وأستاذة جامعة وكاتبة وصحفية ومدرسة ... إلى أخره .
وأن كان ذلك لا ينفى أن هناك بعض المناصب أو المهن مازالت حكراً على الرجال دون غيرهم دون أن يساند ذلك نص قانونى أو دستورى - بل أرتكن هذا الأحتكار على أفكار مختلطة تلبس ثوب الدين - مما يرهب الكثيرون من الخوض فى تلك المسألة الشائكة .
* وفى أطار مضمون الورقة البحثية - ينصب النظر على علاقة المرأة بمهنة القانون وكيفية ممارستها لها وعلى أى شكل وبأية كيفية .
والقانون أو النص التشريعى - دون أعمال أو تطبيق - مجرد الفاط متراصة لا حياة فيها ولا تأثير لها .. ومن ثم النظر إلى تطبيق النص القانونى وأعماله يستوجب النظر إلى القائمين بتطبيقه وطبيعتهم وكيفية تأثر ذلك التطبيق لتلك الطبيعة .
* وإذا كان أستقر حق التعليم للمرأة - بكافة أشكاله - دون منازعة جدية من أحد وإذا كانت الجامعات قد أنتشرت بطول البلاد وعرضها - تحتوى ضمن كلياتها - كلية الحقوق تلك التى تعد الدارس فيها للأشتغال بالقانون والعمل فيه .. وإذا كان عدد الطالبات بالجامعات قد تزايد فى جميع الكليات ومن ضمنها كليات الحقوق - فأن عدد الخريجات سنوياً من تلك الكلية والمؤهلات لأمتهان القانون والعمل به - أصبح لافتا للنظر ورغم ما تقدم فمازال هناك بعض الجهات والهيئات التى لم تقبل أو تسمح ويساندها فى ذلك المجتمع - بأشتراك المرأة فيها والعمل بها .
فحتى الأن - منتصف عام 1989 - مازالت المرأة المصرية ليس لها الحق فى العمل كقاضى - سواء كان ذلك بالقضاء العادى بأختلاف درجاته - أو بالقضاء الأدارى أيضاً بأختلاف درجاته - وليس لها الحق فى العمل بالنيابة العامة - وإن كان - أصبح لها حق العمل فى النيابة الإدارية - وحرمان المرأة المصرية من هذا الحق لا يجد له سنداً من الدستور أو حتى من القوانين المنظمة لعمل الهيئات القضائية المختلفة .
فقد نص فى الدستور المصرى على :
م ( 8 ) تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين .
م ( 14 ) الوظائف العامة حق للمواطنين .
والنصين السابقين - لم يخاطبا الرجل دون المرأة - ولم يقررا حق للرجل دون المرأة .
وم ( 165 ) السلطة القضائية مستقلة
م ( 167 ) يحدد القانون الهيئات القضائية وأختصاصها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط وأجراءات تعيين أعضائها ونقلهم .
م ( 172 ) مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة
م ( 174 ) المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة
ثم جاءت القوانين المتعاقبة لتنظم عمل الهيئات القضائية المختلفة .
* فصدر القانون 46 لسنة 72 بشأن السلطة القضائية بديلاً للقانون 43 لسنة 65 ثم عدلت بعض أحكامه بالقوانين 49 لسنة 73 و 35 لسنة 84 .
* وصدر القانون 47 لسنة 72 بشأن مجلس الدولة بديلاً للقانون 55 لسنة 59 وعدلت بعض أحكامه بالقانون 50 لسنة 73 ، 17 لسنة 76 ، 136 لسنة 84 وغيرهم
* وصدر قرار بقانون رقم 117 لسنة 58 بشأن تنظيم النيابة الإدارية والذى عدل بعض أحكامه بالقانون 59 لسنة 55 ، 28 لسنة 68 ، 12 لسنة 81 .
وبالنظر والتأمل فى النصوص الدستورية سابقة البيان وأيضاً بقراءة نصوص التشريعات المذكورة سلفاً والمنظمة لعمل الهيئات القضائية لوجدنا الأتى :
* الدستور المصرى - نص على أن الوظائف العامة حق للمواطنين - دون تمييز بين الرجل والمرأة - وأيضاً نص على كفالة الدولة لتكافؤ الفرص بجميع المواطنين دون تمييز بين الرجل والمرأة .
ومفاد ذلك - وطبقاً للنصوص سالفة البيان فأنه يحق للمرأة شأنها شأن الرجل تولى كافة الوظائف العامة والعمل بها دون حجب لبعض تلك الوظائف أو الأعمال عنها .
ومن ثم يكون طبقاً للدستور - حق المرأة فى تولى العمل فى منصب أو وظيفة القاضى حق مباحاً لا يحتاج لنص خاص لتقريره .
وأيضاً يكون العمل بأى من الهيئات القضائية وفى أية وظيفة بها - شأنه شأن العمل بأى جهة أخرى مباحاً للمرأة .
وإذا كان النص الدستورى جاء عاماً بالنسبة للهيئات القضائية المختلفة لكيفية عمل تلك الهيئات وطريقة تشكيلها - فإن ذات النص قد أحال الأمر للقانون لتنظيمه .
* وبالرجوع إلى القوانين المنظمة لعمل الهيئات االقضائيه وكيفية تشكيلها - لم نجد بينها وبين الدستور تناقضاً بأن أستبعاد المرأة من العمل فيها أو الألتحاق بها - بل جاءت تلك القوانين خالية من أية نص يستبعد أو يحول بين المرأة وبين مشاركتها فى العمل بتلك الهيئات ..
ورغم ذلك فأن بعضاً من الهيئات القضائية - مازالت وعلى نحو واقعى - مغلقة أمام - المرأة وغير مسموح لها بالعمل فيها - والبعض الأخر ( النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة ) فتح أبوابه أمام المرأة للعمل به - رغم أن النصوص المنظمة للألتحاق بهذه الهيئات وشروط التعيين فيها متماثلة ( تراجع المادة رقم 116 و 31 لقانون لسنة 72 بشأن السلطة القضائية والخاص بشروط به "
والمادة رقم 33 من القانون 117 لسنة 58 وتعديلاته والخاص بشروط تعيين أعضاء النيابة الإدارية " مسموح للمرأة بالألتحاق .
* والأمر على نحو أكثر وضوحاً - أن المرأة المصرية مازال محجوباً عنها منصب القضاء وأصدار الأحكام - دون غيره من عمل ومناصب الهيئات القضائية .
ولأن العمل بالنيابة الإدارية أو بهيئة قضايا الدولة - لن يتيح لها ذلك فقد سٌمح لها بالألتحاق به - دون أن يمتد ذلك إلى القضاء العادى ومجلس الدولة - بدرجاتهم المختلفة ...
* ودون تولى المرأة لهذا المنصب فالعمل بالقانون على أى نحو كان متاح لها .. وهو الأمر الذى يشكل تعسفاً واضحاً ضد المرأة وانتقاصاً من مساواتها بالرجل واعتداء على حق دستورى يكفل لها تمام المساواة بينها وبين الرجل فى شغل كافة الوظائف العامة .
* ويرتكن حظر تولى المرأة لمنصب القضاء وأصدار الأحكام على مقولات عامة ظاهرها الأرتكان على الدين - وأجتماعياً يشاع أن المرأة لا تصلح لمنصب القضاء لأنها " ناقصة عقل ودين " - وأن المرأة عاطفية هوجاء لا تستطيع التجرد من مشاعرها على نحو يكفل لها الحياد فى الحكم.
وأيضاً تسود قاعدة أنه " لا ولاية للمرأة فى الاسلام .وباعتبار أن إصدار الحكم نوع من الولاية فأن المرأة لا تصلح له.ورغم أن ذلك جميعه مردود عليه - بأن هناك العديد من الدول العربية الإسلامية قد أتاحت للمرأة تولى منصب القضاء وأصدار الأحكام - شاملاً ذلك جميع أنواع القضايا بما فيها القضاء الجنائى - وشاملاً ذلك أيضاً جميع درجات القضاء.وأرتكنت فيما قامت به على تفسيرات مختلفة للنصوص الدينية والقواعد الفقهية ومن الثابت بأراء جمهور الفقهاء جواز تولى المرأة القضاء إلا فى مسائل الحدود وهى المسائل التى لم يتم تطبيقها حتى الأن فى أغلب المجتمعات العربية ( تراجع التجربة التونسية والسودانية بهذا الخصوص ).
* ويساند حظر تولى المرأة لمنصب القضاء - أنفراد الرجال وحدهم بتلك السلطة لزمن طويل - الأمر الذى أصبح معه تفكير أيه أمرأة بالعمل بالقضاء أمراً مثيراً للأستغراب والدهشة والأستهجان بل والتندر .وأن كانت الأمانة العلمية تقتضى ذكر أن هذه القضية غائبة عن عقل الحركة النسائية - ولم يبذل بها ثمة جهد جماعى ولو على سبيل المحاولة .
* وبأستثناء ما تقدم فأن العمل بالقانون متاح للمرأة المصرية - فالمرأة تعمل بمهنة المحاماة وبنجاح دون أية قيود تشريعية أو معوقات أجتماعية - وهناك المئات من المحاميات الممارسات للمهنة وعشرات منهن ذات أسماء لامعة وناجحة فيها ..
* وأن كان جدير بالبيان - أن المرأة تمارس العمل فى جميع الأجهزة الفنية والمعاونة لعمل القضاء - والتى تساعد بعملها على أجلاء الحقيقة أمام القاضى لإصدار حكمه ..
* فالمرأة تعمل بهيئة الخبراء التابعة لوزارة العدل - سواء كانت خبيرة حسابية أو هندسية أو غيره - حيث تقدم الرأى الفنى فى القضايا التى تحال إليها من المحاكم .
* وأيضاً تعمل بالطب الشرعى ومعامل التحليل الكيميائى - وهى أجهزة فنية منوط بها فحص الأدلة فى القضايا على نحو يساعد القاضى مصدر الحكم فى الأنحياز لهذا الأمر أو ذاك .. وتقوم المرأة أيضاً بالعمل فى الشئون القانونية للجهات المختلفة مع ما قد يتطلبه ذلك من التحقيق مع العاملين وما يستتبع ذلك من سلطات لها .. كذا تشغل المرأة - أو متاح لها أن تشغل - جميع الأعمال الإدارية والكتابية فى النيابات والمحاكم - دون معوقات .
* وباستقراء ما تقدم - يلاحظ أتاحة الفرضة للمرأة بالعمل بمهنة القانون بكافة صورها وأشكالها - دون تولى منصب القضاء .. وهو الأمر الذى يؤثر سلباً على رؤية وطبيعة القضايا الخاصة بالمرأة والأحكام التى تصدر فيها - سيما قضايا الأحوال الشخصية . فإذا كان تجرد القاضى وحياده أمراً هاما ً ومطلوباً - إلا أن نزع التأثيرات الأجتماعية من خلفية القاضى وهو بصدد النظر فى القضايا أمر غير متصور عملياً ..
ولما كان القضاة جزء من المجتمع - فأنهم وبالضرورة متأثرون بالقيم الأجتماعية السائدة وأيضاً نتاج لنشأة اجتماعية تتيح للرجل سلطات مطلقة وواسعة فى مواجهة المرأة - فأن ذلك لابد وأن ينعكس بالضرورة فى أحكامهم وعلى الأخص فى القضايا والنزاعات الخاصة بالمرأة والرجل .. سيما أن النصوص التشريعية تعطى سلطات تقديرية واسعة للقاضى يتدخل فيها وعلى النحو سالف البيان الأفكار والمفاهيم والقيم والعادات والتقاليد ..
وينعكس هذا جلياً - فى قضاء الأحوال الشخصية - بشأن العلاقة بين الرجل والمرأة فى أطار الزواج وخارجه - وعلى الأخص أن النصوص المنظمة لذلك الأمر - فضفاضه ومرنه وتعطى سلطة تقديرية واسعة للقاضى .. ومنها على سبيل المثال " إذا إدعت الزوجة أضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها يجوز لها أن تطلب من القاضى التفريق وحينئذ يطلقها القاضى طلقة بائنة إذا ثبت الضرر " فهذا النص يجعل مسألة الضر نسبية للغاية - ويرد فى كتب الفقه وأحكام القضاء شرحاً لتلك المادة - أن الضرر المستوجب للطلاق يختلف بين أمرأة وأخرى حسب الوسط الاجتماعى والثقافة والبيئة .. بل ان مفهوم القاضي المنفذ للقانون للضرر ايضا يتدخل في كيفيه تطبيق النص فتنعكس البيئة والوسط الأجتماعى وغيرها على رؤية القاضى للضرر المستوجب للطلاق - فإساءة المعاملة والزجر الذى يعتبره احد القضاه مبررا ً للطلاق بأعتباره ضرراً - ليس كذلك من وجهة نظر غيره يعتبر أن تأديب الزوجة حتى ولو بضربها والأعتداء البدنى عليها ليس ضرراً مستوجباً للطلاق
والأمر فى مجمله بعيد عن تصور القضاه الرجال - فالطلاق بالنسبة لهم حق مطلق لا يستلزم ضرراً ولا يستوجب مبرراً - على عكس المرأة والتى هى أقدر على تفهم مثل هذه المسألة والإحساس بها .
* ويتضح مما تقدم أن عدم شغل المرأة لمنصب القاضى - أثر سلباً فى تطبيق العديد من النصوص القانونية على نحو حال بين المرأة وبين نيل حقوقها المقررة قانوناً .
* ورغم القناعة الكاملة بضرورة المساواة الكاملة بين المرأة والرجل فى جميع أوجه الحياة وتولى كافة الوظائف والأعمال - ومنها على النحو السابق بيانه - العمل بمنصب القضاء.فأنه واحتراما للقيم الاجتماعية السائدة ومحاولة لتغيرها على نحو تدريجى فأن تولى المرأة لمنصب القاضى وعلى نحو أولى فى محاكم الأحوال الشخصية ومحاكم الأحداث حتى لو فى أطار دوائر مختلفة التكوين من الرجال والنساء من شأنه أن يكون بداية لكسر دائرة المنع والاحتكار .ويمكن أن يمتد ذلك العمل إلى هيئة المفوضين التابعة لمجلس الدولة كذا يمكن أن ينحصر الأمر مبدئياً فى المحاكم والهيئات الكائنة بالمدن والحضر دون الريف على أن يكون ذلك فى أطار تدرج زمنى ينتهى بتمام المساواة بين الرجل والمرأة فى العمل فى جميع الهيئات القضائية بكافة درجاتها ووظائفها ..بل أن أشتراك المرأة بالعمل فى الهيئات القضائية المختلفة - قد يكون معاوناً للخروج من مأزق قلة عدد القضاه والعجز عن زيادتهم من المتخصصين ذوى الخبرة - فيمكن الاستعانة بالعديد من النساء المشتغلات بالقانون فعلاً سواء فى المحاماة أو النيابة الإدارية أو هيئة قضايا الدولة أو غيرها من الأعمال القانونية وهن ذوات خبرة بالأشتغال بالقانون فعلاً - لزيادة عدد أعضاء الهيئات القضائية ولا يحتاج ذلك لنص خاص فعلى سبيل المثال يكفى الرجوع إلى نص المادة ( 39 ) فقرة ( جـ ) والمادة 41 بند أولاً فقرة ( جـ ) وبند ثانياً فقرة ( جـ ) وبند ثالثاً فقرة ( جـ ) وبند رابعاً فقرة ( جـ ) والمادة 43 فقرة ( جـ ) وأيضاً المادة 47 - من القانون 46 لسنة 72 بشأن السلطة القضائية - وهى جميعها النصوص التى بالمهنة أمام محاكم الاستئناف والنقض - حيث يمكن وبشكل واقعى أن يمتد ذلك إلى المحاميات بذات الشروط المنصوص عليها قانوناً ..وأيضاً المواد 74 - 75 فقرة ( هـ ) ، 76 فقرة ( د ) ، 77 فقرة ( ذ) ، 78 فقرة ( ذ ) ، 79 فقرة ( هـ ) ، 80 فقرة ( هـ ) من القانون رقم 47 لسنة 72 بشأن مجلس الدولة - وهى المواد التى تجيز تعيين أعضاء مجلس الدولة من المحامين المشتغلين بالمهنة وفقاً للشروط الواردة فى تلك المواد - وهى الشروط التى تتسع للمرأة المحامية شأنها فى ذلك شأن المحامى الرجل .
* وخلاصة ما تقدم :-
أن علاقة المرأة بمهنة القانون - علاقة وثيقة تمتد لكافة الأعمال والوظائف والمهن - باستثناء العمل بمنصب القاضى - دون أن يساند هذا الاستثناء نص تشريعى وسند دستورى بل العكس من ذلك على ما سلف البيان .. وأن عدم أشتغال المرأة بمنصب القاضى - إنما هو نوع من أهدار المساواة بينها وبين الرجل - وأعتداء على حقها الدستورى .وأن هذا الحجب يؤثر فى طبيعة الأحكام والفصل فى النزاعات سيما التى تكون المرأة طرف فيها.وأنه لا معوق من الناحية العملية أو التشريعية - من أشتغال المرأة بمنصب القاضى وعلى نحو تدريجى كما سبق بيانه وبالاستناد فى ذلك على ذات النصوص التشريعية المنظمة لعمل الهيئات القضائية دون الحاجة إلى تدخل تشريعى جديد
(ملحوظة - في اغسطس ٢٠٠٨ - تم تعيين عدد من القاضيات بالقضاء المصري عام ٢٠٠٧ )
الجزء الثالث - المرأة كمحل للتنظيم القانونى
إذا كان الجزءان الأول والثانى من هذه الورقة البحثية - قد تناولا علاقة المرأة بصناعة النص التشريعى من ناحية وعلاقتها بمهنة القانون من ناحية أخرى فأن هذا الجزء الثالث عن وضع المرأة كمحل للتنظيم القانونى والتشريعى يكون المكمل والأخير لعلاقة المرأة بالقانون .
لا ينفصل عن علاقتها بالنص التشريعى أو علاقتها بمهنة القانون - بل هو أنعكاس دقيق لهذه الأمور - فغياب المرأة عن صناعة النص التشريعى وغيابها عن تطبيقه يؤثر بالضرورة على وضعها كمحل للتنظيم القانونى وعلى التشريعات المختلفة التى تعالج شئونها وأمورها وعلى التطبيقات الواقعية لتلك التشريعات ..
* وبالطبع لن تتسع تلك الورقة البحثية - للنظر الدقيق لكل التشريعات والقوانين ورؤية وضع المرأة فيها وكيفية تنظيم تلك التشريعات لشئونها وإنما ينحصر الحديث على بعض الأمثلة من بعض التشريعات كعينة بحثية .
أولاً : قانون العقوبات :
* قانون العقوبات - هو مجموعة من القواعد القانونية تحدد الأفعال التى تعد جرائم وتبين العقوبات المقررة لها .
والجريمة هى واقعة قانونية تتمثل فى فعل غير مشروع محل للتجريم والعقوبة هى النتيجة القانونية المترتبة عليها . والجرائم تنقسم إلى درجات ثلاث من حيث جسامتها فتختلف بإخلاف العقوبة فيما بينها .
* وقد صدر قانون العقوبات السارى حالياً فى 31 يوليو 1937 - برقم 58 لسنة 37 وبدأ سريانه منذ 15 أكتوبر 1937 ( 15 ) .ومنذ صدوره وحتى الأن - أدخلت عليه عشرات التعديلات بالحذف والإضافة والتحوير والتشديد حيث عدل فى سنوات 1940 - 1946 - 1947 - 1949 - 1951 - 1952 - 1953 - 1954 - 1956 - 1957 - 1962 - 1970 - 1973 - 1975 - 1977 - 1981 - 1982 - 1984 .
وذلك رغبة من المشرع فى مواكبة التطور الاجتماعى والتغيرات السياسية والاقتصادية ورغم ذلك - لم تشمل تلك التعديلات بعض المواد العقابية الخاصة بالمرأة - فلم ترى المؤسسة التشريعية طوال تلك السنوات ضرورة أو مبرر لإعادة النظر أو أعادة التقييم لبعض نصوص العقوبات الماسة للمرأة - كذا لم تقوى الحركة النسائية على نحو يستطيع طرح التعديلات أو إعادة الصياغة فى المواد المذكورة بشكل أجتماعى واسع يحمل وجهة نظرها - بما يشد أنتباه المؤسسة التشريعية بشأن تلك المواد ..
* فإذا كانت القاعدة العامة بالنسبة للنصوص العقابية عدم التفرقة بين الرجل والمرأة بشأن خضوعهم لها والمساواة بينهم بالنسبة للعقوبة وكذا توافر أركان الجريمة فأن هذه القاعدة العامة قد خرج عنها المشرع فى بعض النصوص دون أن يكون لذلك سنداً إلا تمييز وضع الرجل عن المرأة .
فالسارق أو السارقة يعاقبان بذات العقوبة - ان توافرت ذات الشروط والظروف عند ارتكاب ذات الفعل الإجرامى - وكذا لا يفرق بين المرتشى والمرتشية ، من الموظفين العموميين ولا بين مرتكبى جرائم الأشخاص والأموال والجرائم الماسة بالمصلحة العامة من الرجال والنساء عند توقيع العقوبة عليها ..
* إلا أنه بإنتقاء بعض المواد الواردة فى قانون العقوبات - نجد أنها تؤكد محاباة المشرع للرجل وتميزه له دون المرأة .. على النحو التالى :
- المادة 337 عقوبات ( 16 ) نصت على " من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها فى الحال هى ومن يزنى بها يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبات المقررة فى المادة 234 ، وبالرجوع إلى نص المادتين 234 ، 236 ( 17 ) لوجدنا أن الأولى تعاقب على القتل بالاشتغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة والثانية تعاقب على الضرب المفضى إلى الموت بالأشغال الشاقة أو السجن من 3 حتى 7 سنوات .
أى أن المشرع قد نظر بعين الرأفة للزوج الذى يضبط زوجته متلبسة بالزنا فنزل بالجريمة التى أرتكبها من درجة الجنايات المعاقب عليها بالإشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقته إلى درجة الجنح المعاقب عليها بالحبس .
إذا كان مراعاة ظروف الزوج النفسية فى مثل الحالة المذكورة - أمر هام - يقدر للمشرع فيه معاملته معه على نحو مشمول بالرأفة نظراً لإنعدام طبيعته الإجرامية - فإن عدم إمتداد تلك الرأفة لو تماثلت الظروف ذاتها للمرأة وارتكبت ذات الفعل - أمر غير مفهوم وغير قائم على سند أو مبرر رغم ما يتعلق الأمر بمسائل قانونية أخرى .
فالحالة النفسية والعصبية التى يتعرض لها سواء الرجل أو المرأة حال ضبطه لشريك حياته متلبساً بالخيانة - حالة مماثلة - بل قد يكون لرجال الطب النفسى رأى أكثر تشدداً فى أن المرأة ستكون حالتها النفسية والعصبية أسوء - إلى جانب إنعدام الطبيعة الإجرامية لكل منهما وأن الفعل الإجرامى الذى سيرتكبه كل منهما فى مثل تلك اللحظة - إنما سيكون وليد إنفعال وألم نفسى - بغير تخطيط له أو سبق إصرار .
وكان أولى بالمشرع - مادام قد وضع نصاً قانونياً خاص يعالج جريمة القتل لو حدثت بسبب ونتيجة أكتشاف الخيانة الزوجية ( الزنا ) يخفف به العقوبة عن تلك التى وردت بالنص العام - أن يشمل ذلك كل من الرجل والمرأة على قدر المساواة ودون تمييز - إذ أنه ليس من العدل أن يعاقب الرجل بالحبس ستة شهور مع الإيقاف عن ارتكابه لذات الفعل الذى تعاقب المرأة عنه بالأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة - ولا ينال من ذلك - أن يرد علينا بأن المحكمة ستنظر لها بعين الرأفة وتخفيف العقوبة مراعاة لحالتها النفسية - إذ أن ذلك مسألة تقديرية وليست ملزمة لا يعول عليها .
* أيضاً المادة ( 262 ) ( 18 ) والتى تعاقب المرأة الحامل بسبب الإجهاض سواء بنفسها أو بواسطة غيرها - بالحبس .فأن هذه المادة وما قبلها من مواد - تلك التى تنظم عقاب من تسبب أو شارك فى أسقاط ( إجهاض ) المرأة الحامل - بما فيها المرأة ذاتها فأنها من ناحية أن تمد مظلة العقوبة للزوج - زوج المرأة الحامل - سيما إذا ثبت موافقته على الإجهاض أو إجبار الزوجه عليه - سواء كان إجباراً مادياُ بالإعتداء عليها - أو إجباراً نفسياً بالضغط عليها أو تهديدها بالطلاق أو غيره - بل أيضاً لو ثبت علمه وصمته .وفاتها من ناحية ثانية - إعفاء بعض الحالات من العقاب - كأجهاض المرأة بسبب سوء حالتها الصحية - أو كثرة الأطفال لديها - أو تعرض الفتاة لحالة إغتصاب نتج عنها حمل غير مرغوب فيه ولا يتصور قبولها له واستمراريتها فيه - إن لم يكن من الناحية النفسية باعتباره نتيجة الفعل الإجرامى معها - فمن الناحية الإجتماعية التى ستدين ذلك الطفل وترفض الإعتراف به .وهذه النقاط جميعها توازن تلك النصوص العقابية وتحقق بها العدل فى معالجتها للموضوع وتساوى بين الرجل والمرأة فى تحمل المسئولية الجنائية - دون أن تحمل المرأة وحدها مسئوليته . وإن كان خارج عن سياق الحديث - الموقف من الإجهاض ذاته بالموافقة عليه أو رفضه .
* كذا التفرقة الواردة من المشرع بين إرتكاب المرأة للخيانة الزوجية وإرتكاب الرجل للخيانة الزوجية وهما الفعلين المعاقب عليهما فى المادتين 274-277 ( 19 ) .
فنصت المادة 274 على " المرأة المتزوجة التى ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين ولكن لزوجها أن يوقف تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت " أما المادة 277 فنصت على " كل زوج زنى فى منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى زوجتة يجازى بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور ".
* وبالمقارنة بين النصين لوجدنا التفرقة واضحة بين أحكامها بالنسبة لكل من الرجل والمرأة - وأن كان جدير بالذكر التأكيد على أن الخيانة الزوجية مرفوضة ومستهجنة سواء تمت من الرجل أو المرأة - وأيضاً التأكيد على أن ليس هدف تلك المقارنة تخفيف العقوبة عن المرأة مساواة بالرجل - بل تشديدها عليهما معاً .
* فجريمة الزنا بالنسبة للرجل لا تتوافر أركانها إلا إذا تمت فى منزل الزوجية بمعنى أن ارتكاب الرجل للزنا أو الخيانة الزوجية خارج منزل الزوجية أمر غير معاقب عليه وهو تحريضاً من المشرع للرجل بإتمام فعل الخيانة الزوجية خارج منزل الزوجية وتنبيها له .. بينما المرأة تتم بالنسبة لها جريمة الزنا سواء تمت فى منزل الزوجية أو فى أى مكان - وهى تفرقة غير مفهومة - فالجريمة بالنسبة لكل منهما واحدة التأثير والدلالة - ومن غير المبرر فى هذا الخصوص أنه بتغير المكان يتغير الفعل من كونه فعل إجرامى إلى كونه فعل مباح غير معاقب عليه .
* كذا بالنظر إلى العقوبة الواردة فى كل من النصين - لوجدنا أنها بالنسبة للمرأة أكثر تشدداً منها بالنسبة للرجل على نحو لا يقارن - دون سبب مفهوم أو مبرر قانونى - والأولى بالمشرع أن يشدد العقوبة بالنسبة لكليهما وأيضاً يوحد أركان الجريمة .. عليهماً بأن هذه التفرقة شأنها شأن غيرها من بعض مظاهر التفرقة مخالفة للشريعة الإسلامية .
* أيضاً بلفت النظر فى قانون العقوبات المادة 291 ( 20 . 22 ) التى تنص على " إذا تزوج الخاطف بمن خطفها زواجاً شرعياً لا يحكم عليه بعقوبة ما " .
والملفت أكثر - أن كل من المواد 288 - 289 - 290 - 292 قد عدلوا سواء فى عام 1980 أو عام 1982 - ورغم ذلك بقيت تلك المادة على حالها دون ينالها ثمة تعديل أو تغيير .
فهذه المادة - تضع المرأة المختطفة تحت ضغوط إجتماعية وأسرية عنيفة - لمحاولة إجبارها على الزواج من خاطفها درءاً للفضيحة الإجتماعية سيما أن هذا الخاطف سيكون على أتم الإستعداد والقبول لإتمام الزواج باعتباره معفياً له من العقاب .
بل أن هذه المادة - تفتح المجال لكل رجل يريد الزواج من امرأة ترفضه - هى أو أهلها - أن يخطفها - ويضعهم جميعاً أمام الأمر الواقع والتهديد بالفضيحة الإجتماعية .
بل أنه فى الآونة الأخيرة تحديداً ومع تزايد جرائم الخطف والإغتصاب كان أولى على المشرع أن يغلف باب الإعفاء من العقوبة تماماً - أو حتى تخفيفها فى وجه الجناه ردعاً لهم ومحاولة لتضييق نطاق الجريمة .
( ملحوظه في اغسطس ٢٠٠٨ - تم تعديل قانون العقوبات بالغاء الماده الخاصه باعفاء الخاطف من العقاب خلال عام ٢٠٠٥ )
* وخلاصة ما تقدم جميعه - أن مثل النصوص السابق ذكرها والتعليق عليها أنما قائمة بالأساس على تمييز غير مبرر بين المرأة والرجل سواء فى أركان الجريمة أو عقوبتها وهذا وأن دل على شئ - يدل على سيادة النظر الرجولية عند صناعة النص التشريعى على نحو يحابى فيه الرجال أنفسهم - ويخففوا عن بعضهم العقوبة ويبيحوا لأنفسهم أفعالاً دون مبرر قانونى مع عقاب المرأة عن ذات الأفعال .وهذا وذاك لا يفسره فقط غياب المرأة عن المؤسسة التشريعية وصناعة النص التشريعى وعدم قدرة الحركة النسائية على حشد عموم النساء للتصدى لمثل تلك النصوص بما فيها من تمييز لوضع الرجل عن المرأة وأهدار لقواعد العدالة - بل يفسره أيضاً عدم إدراك الحركة النسائية لوجود مثل هذه النصوص وعدم وعيها بأهمية تغييرها ..
ثانياً : قانون التأمينات الأجتماعية :
* بالنظر فى قانون التأمينات الأجتماعية 79 لسنة 75 وتعديلاته ( 22 ) المواد 104 وما بعدها والخاصة بالمستحقين للمعاش وشروط أستحقاقهم - نجد أن الزوج لا يستحق معاش زوجته ( المرأة العاملة ) إلا إذا كان عاجزاً عن التكسب . بخلاف الزوجة التى يحق لها الجمع بين معاشها عن زوجها ومعاشها عن نفسها - أو دخلها من العمل أو المهنة ورغم ما قد يبدو فى تلك النصوص من محاباة المرأة على حساب الرجل - فأن حقيقة هذه النصوص تكريس لدونية المرأة عن الرجل وإهدار لحقها القانونى فى ترك معاشها لزوجها أسوة به فى ترك معاشه لها ..سيما أن قانون التأمينات الإجتماعية يسرى على جميع العاملين رجال ونساء دون تمييز بينهم - وفى النظام التأمينى ضماناً مستقبلياً بعد وفاة المؤمن عليه - فإذا كانت المرأة تقوم بسداد الأشتراكات التأمينية شأنها شأن زميلها الرجل - فلا مبرر لحرمانها من أعطاء معاشها لزوجها بعد وفاتها - حتى لو كان قادر على العمل والتكسب ( ملحوظه في اغسطس ٢٠٠٨ - حكمت المحكمه الدستوريه العليا بعدم دستوريه المواد المانعه للزوج من استحقاق معاش زوجته )
ثالثاً : - قانون العاملين بالدولة :
* بالنظر إلى قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 78 ( 23 ).تجد أن المادة 72 والتى " تجيز للسطلة المختصة .. الترخيص للعاملة بأن تعمل نصف أيام العمل الرسمية مقابل نصف الأجر المستحق لها".
ورغم ما قد يبدو فى تلك المادة ظاهرياً - من أنها توفر للمرأة ميزة دون الرجل إلا أن النظر العميق لدلالاتها يوضح - أنها تكرس دونية المرأة وتقرر بكونها كائن أقل من الرجل فى الأهمية - ولا تأثير لها على العملية الإنتاجية سواء بحضورها وقت العمل كله أو نصفه .وكان أولى بالمشرع أن أراد أن ينص على ذلك الحق أو الميزة - أن يسمح به للرجال والنساء دون تمييز بينهم أو تفرقة ..فمثل هذه التفرقة تؤدى إلى دعاية إجتماعية مضادة لعمل المرأة باعتبارها كماً إضافيا غير مؤثر فى العملية الإنتاجية ولا أهمية لدورها فيها ..
رابعاً : قانون العاملين بالقطاع العام :
والقانون 48 لسنة 78 الخاص بالعاملين بالقطاع العام ( 24 ) شأنه فى ذلك شأن القانون 47 لسنة 78 - حيث ورد فى مادته (74 ) ذات المضمون " يجوز لرئيس مجلس الإدارة .. الترخيص للعاملة بأن تعمل نصف أيام العمل الرسمية وذلك مقابل نصف الأجر المستحق لها .. "
ويسرى على تلك المادة - ذات التعليق الوارد أعلاه والخاص بالمادة 72 .
خامساً : قوانين الأحوال الشخصية :
* يبقى النقطة الأخيرة والخاصة بقوانين الأحوال الشخصية ولن نتطرق إلى الحديث عن كل نصوصها وإنما فقط بعض منها - والذى يظهر فيه التمييز الواضح للرجل على المرأة والسلطات المطلقة له ..
* منها المادة ( 1 ) ( 25 ) من القانون 25 لسنة 20 المعدل بالقانون 100 لسنة 85 فقرة ثالثة ورابعة والتى جاء بها ..
" لا تجب النفقة للزوجة إذا أرتدت - أو أمتنعت مختارة عن تسليم نفسها .. أو خرجت دون إذن زوجها ولا يعتبر سبباً لسقوط نفقة الزوجة خروجها من مسكن الزوجية - دون إذن زوجها فى الأحوال التى يباح فيها ذلك بحكم الشرع مما ورد به نص أو جرى به عرف أو قضت به ضرورة ولا خروجها للعمل المشروع ما لم يظهر أن أستعمالها لهذا الحق المشروط مشوب بإساءة استعمال الحق - أو مناف لمصلحة الأسرة وطلب منها زوجها الأمتناع عنه " .
- جاءت الفقرة الثالثة - مطلقة فيما نصت عليه من عدم وجوب النفقة للزوجة إذا خرجت دون إذن زوجها - وعندما حاول المشرع فى الفقرة الرابعة استثناء بعض الحالات من كونها سبباً لسقوط نفقة الزوجة - كانت استثناءات فضفاضة حمالة أوجه فى التفسير والتطبيق الواقعى - دون أن تقيد السلطة المطلقة للرجل فى مواجهة زوجته وما يحق له من منع النفقة عنها إذا خرجت دون إذنه - وهو الأمر الذى يساعد استغلاله من الرجال ويمكنهم من التحكم فى زوجاتهم - سيما اللاتى ليس لهن مصدر دخل أو رزق .بل أن حتى خروجها للعمل واستمرارها فيه معلق على شرط عدم طلب زوجها له بالامتناع عنه - على سند من تنافى ذلك مع مصلحة الأسرة وهى عبارة مرنة تبيح للرجال حتى منع نسائهن من العمل بشكل متعسف .
- أيضاً المادة ( 8 ) ( 26 ) من ذات القانون - والتى تعالج وضع زوجة المفقود والمفقود هو الغائب الغير معلوم مكانه ولا يعلم ما إذا كان حياً أو ميتاً " . ويعتبر ميتاً من وقت الحكم بموته .
نصت تلك المادة على " إذا جاء المفقود أو لم يجئ وتبين أنه حى فزوجته له - مالم يتمتع بها الثانى غير عالم بحياة الأول - فأن تمتع بها الثانى غير عالماً بحياته كانت للثانى مالم يكن عقدة فى عدة وفاة الأول " .ويلاحظ على هذا النص - أنه يتعامل مع وضع الزوجة بتلقائية بأعتبارها أقرب إلى الجماد دون الرجوع إليها أو أخذ رأيها . . بل الأمر كله قد رتبه النص بشكل تلقائى - بل حتى عبارات النص ذاتها - واضحة الدلالة فى شيئية المرأة ويظهر ذلك جلياً من لفظة ( التمتع ) وعبارتى ( فزوجته له ) ، ( كانت للثانى ) .الصورة الواقعية لهذا النص - أن تنتظر زوجة زوجها الغائب فترة طويلة دون أن تعلم مكانه أو كونه حياً أو ميتاً .. ثم تستصدر حكماً بموته وتقرر الأرتباط بأخر وتستعد لذلك الأمر نفسياً وعاطفياً - تعقد قرانها عليه ( ربما كان ذلك كله بعد سنوات طويلة من غياب الزوج والحكم بموته ) ثم تفاجئ بعودة زوجها الغائب أو تعلم كونه مازال حياً - هنا وطبقاً للنص المذكور يستلزم عليها أن تعود إلى زوجها الأول وتنهى زواجها الثانى دون أختيار منها أو تفكير .وهو أمر يتعامل مع المرأة ككائن أدنى - بل كشئ لا إرادة له وأختيار ..
- والمادة ( 18 ) مكرر ( 27 ) ثالثاً من القانون 25 لسنة 29 المعدل بالقانون 100 لسنة 85 الفقرة الرابعة :
" إذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده ".فإذا كان النص المذكور قد عالج وضع الحاضنة أثناء فترة الحضانة على نحو مقبول بأن سمح لها بالبقاء فى سكن الزوجية حتى يوفر لها المطلق الزوج مسكن حضانة أخر أو يدفع لها أجرة سكن حضانه .فقد فات النص - وضع الحاضنة بعد انتهاء فترة الحضانة وتجاوز الأطفال لذلك السن - حيث وقتها وطبقاً لذات النص للمطلق الحق فى العودة إلى السكن مع أولاده بما مفاده خروج الحاضنة من السكن دون أن يولى المشرع الأهتمام لتلك المرأة والتى أمضت سنوات طويلة لرعاية الأطفال المحضونين - فساوى بين المرأة التى قد يكون لها مقر أقامة أخر غير مسكن الحضانة وبين تلك التى لا مقر لها .وكان أولى بالمشرع - مع مراعاة الظروف الإجتماعية وأزمة الأسكان الطاحنة - أن يعطى الأولوية للمرأة فى البقاء فى المسكن - سيما أن بقاء المطلق خارج مسكن الحضانة طوال فترة الحضانة يشير إلى إيجاد مقر لأقامته طوال تلك السنوات عكس المرأة - ناهيك عن الصعوبات الإجتماعية التى قد تلقاها المرأة فى الأستقلال بمسكن لوحدها بعكس الرجل وعلى الأخص نساء الطبقات الفقيرة والشعبية - والنساء غير العاملات - أو اللاتى ليس لهن دخل مستقل ..
وننتهى مما سبق بيانه بأن وضع المرأة كمحل للتنظيم التشريعى والقانونى ومن النصوص سالفة البيان - وضع مازال متدنياً عن وضع الرجل فحقوقها منتقصة وللرجل عليها سلطات مطلقة - ومازالت أوضاعها ومشاكلها تعالج دون تعمق أو أنتباه لرؤيتها الخاصة فى حل تلك المشاكل ..
وهو وضع للأسف - شاركنا - ونشارك فيه جميعاً .
ونتحمل مسئوليته - بقدر متساوى - جميعاً - نحن النساء .
- ورقه بحثيه مقدمة للمؤتمر السابع عشر لإتحاد المحامين العرب دمشق – يونيو١٩٨٩ -
*والحديث فى تلك الورقة ليس عن قوانين الأحوال الشخصية ( قوانين الأسرة ) المنظمة لعلاقة الرجل والمرأة من خلال الأسرة ( الطلاق - الزواج - الطفولة .... إلى أخره ) وأنما يتسع لنظرة أوسع لعلاقة المرأة بالقانون بالمعنى الشامل .. من حيث صناعة القانون من ناحية ( صياغة وإعداد وإصدار النص التشريعى ) ومن حيث تطبيقه وأعماله من ناحية أخرى ( أى المرأة ومهنة القانون ) من حيث وضعها كمحل للتنظيم التشريعى بأشكاله وأحكامه المختلفة كناحية ثالثة وأخيرة .. أى يتسع لعلاقة المرأة بالنص التشريعى من حيث اللحظة الأولى لبدايته كفكرة إلى منتهاه فى التطبيق الواقعى واليومى .. من حيث وضعها كمحل للتنظيم التشريعى بأشكاله وأحكامه المختلفة كناحية ثالثة وأخيرة .. أى يتسع لعلاقة المرأة بالنص التشريعى من حيث اللحظة الأولى لبدايته كفكرة إلى منتهاه فى التطبيق الواقعى واليومى ..
وجدير بالذكر وقبل الخوض فى تفصيل الورقة البحثية ومحتواها الرئيسى .. ذكر عدة ملاحظات هامة قائمة بالأساس على الرؤى والمشاهدات الواقعية ..
1) الملاحظة الأولى :
أن علاقة المرأة المصرية بالقانون - علاقة هامشية فى جوانبها المختلفة الأمر الذى أنعكس سلباً على أحوالها وحقوقها القانونية وممارستها الواقعية ..
2) الملاحظة الثانية :
أن النص التشريعى - القاعدة القانونية - ليست مجردة وعامة ومحايدة حسب المفهوم الأكاديمى ولا تنطبق على كل الناس المخاطبين بها فى أى مكان وكل زمان .. بل هى منحازة بالضرورة لهذا الطرف أو ذاك الخاضعين لتنظيمها فى هذا الموضوع أو ذاك .
فالنص التشريعى - هو أحد أدوات النخبة الحاكمة ( الطبقة الحاكمة ) فى الدفاع عن مصالحها وتكريسها هذا من ناحية - ومن ناحية أخرى فأن تطبيقه وأعماله يتأثر ويتغير برؤية وقيم ومعتقدات وتقاليد وأفكار ومفاهيم القائمين على تطبيقه - فذات النص التشريعى يختلف من حيث التطبيق الواقعى بين شخص وآخر وقت تطبيقه حسب تكوين كل منهم وماهيته ، ويظهر ذلك فى أطار السلطة التقديرية للقاضى فى التعامل مع النص التشريعى ومن ثم فغياب المرأة عن التأثير على النص التشريعى وعلى الأخص تطبيقه وأعماله من شأنه أن يؤثر فى طبيعة تطبيقه وكيفيتها .
وجدير بالبيان أن محتوى الورقة :
1) لا يعنى الأهدار لأية جهود نسائية فى أنشاء وتدعيم وتقوية حركة نسائية ناجحة ومؤثرة وفعالة ومتصلة بجماهير النساء..
2) وأيضاً لا يستهين بالجهود التى بذلت وتبذل من بعض النساء لمحاولة كسر العزلة والتأثير فى المجتمع على نحو يحقق المصالح الحقيقية للنساء وبالتبعية للمجتمع .
3) وهو أيضاً لا يفصل بين النساء وبقية طبقات المجتمع - كجزء من كل طبقة ولا يضع النساء فى مواجهة الرجال - أو بشكل منفصل عن الطبقات الأجتماعية وأعلى منها.
4) ولا ينظر إلى حركة النساء بمعزل عن الحركة السياسية المصرية ككل . ويلاحظ أنطباق القوانين الموضوعية السارية عن تلك الحركة ومن ضمنها النساء برصد المعوقات والقيود الإدارية والأمنية والقانونية التى تحول بين فعالية أجتماعية وسياسية أكبر للحركة السياسية بجميع أشكالها وروافدها ومن ضمنها النساء ..
5) وأيضاً لا ينكر خصوصية قضايا المرأة ووضعها الأجتماعى - بما يجعل لها تعقيدات خاصة تشترك فيها النساء جميعاً بصر ف النظر لأنتماءاتهن الطبقية وأن كان بغير أهدار لذلك أيضاً ..
وينقسم البحث إلى ثلاث أجزاء :
1) المرأة وصناعة النص التشريعى .
2) المرأة ومهنة القانون .
3) المرأة محل للتنظيم التشريعى والقانونى
الجزء الأول - المرأة وصناعة النص التشريعى
* مازالت المرأة المصرية بعيدة عن صناعة النص التشريعى - الأمر الذى يؤدى إلى ظهور قوانين ونصوص تشريعية بعيدة كل البعد عن مصالح المرأة ورؤيتها لعلاج قضاياها ومشاكلها ..
* فعلاقة المرأة بالمؤسسة التشريعة - علاقة هامشية وضعيفة .. فعدد المشاركات فى المؤسسة التشريعة ( مجلس الشعب) على مدى أربعة مجالس أبتداء من عام 1976 , 1979، 1984, 1987 - عدد قليل وغير مؤثر أو فعال فى صناعة النص التشريعى - إذ لا يتجاوز العدد - 45 - أمرأة - ويلاحظ أن مجلس الشعب عام 1984 شهد أكبر تواجد عددى للنساء بحكم التعديل الذى أدخل على قانون الانتخاب والذى فرض ضرورة أنتخاب ثلاثين أمرأة عن ثلاثين دائرة أنتخابية فى مقعد خاص للمرأة .. وأن كان جدير بالذكر - أن المحكمة الدستورية العليا قد أنتهت إلى عدم دستورية النص المذكور لأخلاله بقاعدة المساواة المنصوص عليها فى الدستور !
وبالنظر إلى عدد النساء المشاركات - نلاحظ أنه قليل إلى حد يجعل العضوات غير مؤثرات فى أى تصويت أو مناقشة - هذا ناهيك عن طبيعة السيدات المشاركات وانتماءاتهم السياسية ( فمعظمهن أو كلهن ) كانوا عضوات فى الحزب الحاكم ( حزب مصر سابقاً.. الحزب الوطنى حالياً ) وبعضهن عضوات لعدة مجالس متعاقبة - والبعض الأخر حديث العضوية - ويجمع بينهن جميعاً أنهن غير معبرات بدرجة كافية عن الحركة النسائية المصرية ( النساء المصريات ) ولم يخضعن لقانون الأنتخاب الطبيعى ولم تفرزهن حركة نسوية ..
بل يلاحظ على نشاط النساء فى المجلس أنه لا يتغير ولا ينفصل عن أحزابهن الممثلات لهن والعضوات فيها - فلم يحدث - أن تصدت النسوة جميعهن على أختلاف منابعهن لقضية نسائية - أو طرح قانون أو مشروع قانون أو تعديل نص - على نحو يمثل أو يحقق مصالح المرأة .. وأنحصر نشاطهن - إن وجد - فى مسائل قوانين الأحوال الشخصية بحسبها - حسب اعتقادهن - المسألة الهامة والوحيدة بالنسبة للمرأة المصرية .. هذا عن المشاركة النسائية فى مجلس الشعب ..
* أما عن التركيبة السياسية لمجلس الشعب نفسه فى مدده الأخيرة ( 1976 - 1987 ) فيلاحظ عليها .. سيادة وهيمنة الفكر الرسمى - ممثلاً فى الحزب الحاكم ( حزب مصر - حزب الوطنى ) والذى حظى بالأغلبية العددية للمجلس طوال السنوات المشار إليها - سواء كان ذلك فى ظل نظام الأنتخاب الفردى - أو الانتخاب بالقوائم - أو الأنتخاب بالقوائم مع ترك بعض المقاعد فى بعض الدوائر للمستقلين .
فعدد أعضاء المعارضة السياسية المشاركين فى مجلس الشعب لم يصل إلى 1/4 أو 1/3 أعضاء المجلس فى أى من السنوات المذكورة .. كذا يلاحظ غياب ممثلى اليسار عن التمثيل بشكل شبه كامل فى مجلس الشعب ..
والنظر السريع إلى تركيبة أعضاء المعارضة السياسية فى مجلس الشعب ( سواء مشاركة حزب الوفد متحالفاً مع الأخوان المسلمين 1984 - أو حزب العمل متحالفاً مع التيار الدينى بكافة صفوفه 1987 - أو حزب الأحرار سواء بالأنتخاب أو بالتعيين ) يوضح غياب مشاركة المرأة ويفسره - كذا يشير إلى طبيعة الفكر الرجعى والسلفى المسيطر دون نزاع على مجلس بأختلاف الطبيعة السياسية لأعضائه ..
* بل أن الأحزاب السياسية جميعها المشكلة لمجلس الشعب - تعبر عن طبقات أجتماعية لا تمثل بالنسبة لها وضعية المرأة أية مشكلة حقيقية - ومن ثم فحتى لو تصورنا جدلاً مشاركة أوسع نسبياً للمرأة من خلال تلك الأحزاب - ما تغيرت الصورة .
* بل أن تلك الأحزاب السياسية سواء فى برامجها السياسية أو برامجها الأنتخابية لم تولى المرأة أية أهمية نسبية وربطتها أساساً بقضية الطفولة .. دون منظار جدى لقضية المساواة فيها بينها وبين الرجل على نحول فعال وحقيقى ..
وننتهى مما سبق جميعه إلى أن تركيب المؤسسة التشريعية ( مجلس الشعب ) سواء من حيث طبيعة الأحزاب السياسية المشكلة له - أو قلة عدد النساء المشاركات والعضوات فيه - يؤدى بالضرورة إلى غياب المرأة عن صناعة النص التشريعى والتأثير فيه ..
* ويلاحظ أن على مدى السنوات الأخيرة - أنه لم تنجح المرأة المصرية فى الدخول إلى مجلس الشعب على مقعد المستقلين ، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل التى لا يتسع البحث الحالى لتناولها .. إلى جانب عجز الحركة النسائية المصرية - سواء فى شقها الأجتماعى - أو وجهها السياسى عن إفراز القائدة النسائية البارزة التى تحظى بالقبول الجماهيرى العام مما يضمن لها الدخول إلى مجلس الشعب بغض النظر عن الأنتماء إلى حزب سياسى - وإن كان ذلك لا ينال من التقدير الذى تحظى به العديد من الشخصيات النسائية فى العديد من الواقع والدوائر - إلى جانب أن أتساع الدوائر الإنتخابية من ناحية وخلط الريف بالحضر فى ذات الوقت من ناحية أخرى - وأرتفاع تكلفة الدعاية الأنتخابية كل هذا أثر بالسلب على مشاركة المرأة فى دخول المؤسسة التشريعية الأمر الذى تسبب فى أنعدام المشاركة النسائية المؤثرة فى المؤسسة التشريعية ..
* وقد تسبب كل ما تقدم فى أن يصبح النص التشريعى بعيداً عن المرأة ومشاكلها الأجتماعية .. فجاءت النصوص بحلول غير مجدية للمشاكل التى تعيشها المرأة - مثال ( النص الخاص بإلتزام المؤسسة بعمل دور حضانة لأولاد العاملات إذا وصل عدد العاملات فيها مائة عاملة فأكثر - دون مراعاة لمشاكل النساء العاملات فى المؤسسات ذات العمالة النسائية الأقل ).
أيضاً ( النص الخاص - بمسكن الحضانة وتخيير المطلقة بين أجرة سكن أو البقاء فى مسكن الزوجية بالتجاوز عن أزمة المساكن الطاحنة - وأيضاً أنحصار النص بالنسبة للمساكن المؤجرة دون تعميم ذلك على المساكن التمليك مع أنتشارها هذه الأيام ).
بل أن تلك التركيبة الأجتماعية والسياسية لمجلس الشعب وسيادة المفاهيم الرجولية فيه وأرتفاع صوت الفكر اليمينى والرجعى والسلفى - قد عطل يد التعديل لبعض النصوص التى تعالج بعض المشكلات على نحو خاطئ ولا تراعى وضعية المرأة - أو يعالجها على نحو متعسف على حساب المرأة كمثال النصوص الواردة بقانون العقوبات والتى سيرد ذكرها تفصيلاً فى الجزء الثالث من هذه الورقة .
ونخلص مما سبق جميعه - أن غياب المرأة عن المؤسسة التشريعية أثر سلباً وما زال فى صياغة النص القانونى وتصوره للحلول التشريعية وأيضاً الردع القانونى - بل أثر فى الحياد والتجريد المتصور للقاعدة القانونية .
المرأة - الجماعات الضاغطة - التأثير على الرأى العام :
وإذا كانت صناعة النص التشريعى تتم من خلال المؤسسة التشريعية وهى - على النحو السابق بيانه - لا يوجد تأثير جوهرى رئيسى فيها للمرأة . فأنه على المستوى الأجتماعى لا تأثير للنساء عبر الحركات المنظمة ( أجتماعياً - سياسياً ) للتأثير على الرأى العام ولفت انتباهه لبعض القضيا ذات الأهمية فلم توجد بعد الجماعات النسائية الضاغطة - سواء منظمة أو شبه منظمة - ذات التأثير الاجتماعى الواسعى التى من شأنها تبنى بعض المشاكل وإثارة اهتمام الرأى العام بها - عبر قنوات التأثير والأتصال المختلفة - بما يحمل وجهة نظرهم إلى المؤسسة التشريعية - لتنظر مجبرة فى هذه المشكلة أو تلك وتضطر إلى مناقشة الأمر ومراعاة وجهة النظر النسائية عند علاجه ووضع النصوص المنظمه له .. وأن كان ذلك لا ينكر الاحتجاج النسائى الغير موحد فى وجهة النظر ولا طريقة الحركة ..
فالملفت للنظر - أنه عند صدور قانون الأحوال الشخصية عام 1979 - بتعديل بعض أحكام القوانين القائمة ذاك الوقت والتى مازالت قائمة حتى الأن - ثار الرأى العام ضد القانون بتحريض من المؤسسة الدينية التى أنتهت إلى عدم شرعية بعض نصوص ذاك التعديل.
ورغم أن التعديل المذكور - كان قاصراً ومحبطاً لآمال العديد من النساء إذ أنه لم يأتى بأضافات وتغييرات جذرية من شأنها التأثير فى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة فى أطار الأسرة - ولم يتقلص الحقوق المطلقة للرجل فى مواجهة الأسرة والزوجة - رغم ذلك ولمجرد أعطاء بعض الفتات للمرأة - مثل ( مسكن للأطفال فى سن الحضانة - ضرورة أخطار الزوجة الأولى بالزواج الثانى لزوجها - أعتبار الزواج الثانى ضرراً مستوجباً للطلاق ) ثارت الدنيا ولم تهدأ وأمتلأت الصحف والمجلات بالفتاوى الدينية بمخالفة هذه التعديلات للشريعة الإسلامية .
واستمرت تلك الضجة حتى أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بعدم دستورية القانون المذكور بسبب عيب أجرائى فى صدوره - إلا أن المعارضين لذلك القانون اعتبروه نصراً شجعهم على مزيد من الهجوم والتشدد - حتى إذا نظر مشروع القانون أمام مجلس الشعب - أضيفت إليه كثير من التعديلات أفقدت المرأة حقوقاً كان منحها لها القانون السابق .
فى ذلك الوقت - عند صدور القانون ( 1979 ) لم تستطع المرأة على نحو ناجح مخاطبة الرأى العام وطرح وجهة النظر المغايرة عليه أو شرح الأمر والمطالبة بالمزيد من الحقوق والتغيرات الجذرية وأن كان الأمر لا يمنع من أرتفاع صوت هنا أو هناك - وفى عام ( 1985 ) ومع الأستعداد لمناقشة مشروع القانون الجديد عقب حكم الدستورية العليا - فشل التجمع النسائى الذى نتج أثناء وبسبب ذلك الظرف - أن يطالب المؤسسة التشريعية بتوسيع الحقوق النسائية فى ذلك القانون وتقليص هيمنة الرجل وسلطانه - بل أنحصر الأمر فى الدفاع عن قانون 1979 وما ورد فيه .وفى الحالتين خسرت الحركة النسائية تأثيرها على الرأى العام وفشلت فى توصيل صوتها على نحو ملزم للمؤسسة التشريعية لتبنى رأيها فيما هو مطروح عليها - أو حتى مراعاة وجهة نظرها ..
ويبين من هذا المثال - أنه حتى فى أطار الضغط الأجتماعى المؤثر والذى من شأنه صياغة النص التشريعى صياغة شعبية ليصل به إلى المؤسسة التشريعية لأصداره بعد وضعه فى قالب قانونى - لم تنجح المرأة أو تؤثر بالدرجة الكافية والناجحة .
ويلاحظ مما سبق بيانه - أنه وللأسف - مازالت المرأة المصرية بعيدة عن صناعة النص التشريعى - لوجودها خارج المؤسسة التشريعية أو لوجودها الرمزى غير الفعال فى صياغة القوانين بها - وأيضاً لعدم وجود جماعات نسائية ضاغطة قوية معبرة عن عموم النساء - تلك الجماعات التى من شأنها أثارة الرأى العام بقضاياها ودفعة إلى تبنى مطالبها بما فى ذلك أعضاء المؤسسة التشريعية - الأمر الذى يجعل النص التشريعى بعيداً عن تحقيق الصالح العام للنساء وبعده عن التناول الصحيح لقضاياهن - الأمر الذى يؤثر على حقوقهن فى أطار الحياة اليومية - كما سيظهر من بقية البحث...
الجزء الثانى- المرأة ومهنة القانون
* أستطاعت المرأة المصرية أن تثبت نجاحاً وكفاءة مشهورة وبغير خلاف فى العديد من المجالات العملية التى خاضتها - وعبر التقدم الأجتماعى ومنذ سنوات شغلت المرأة المصرية العديد من الوظائف والمهن التى كانت حكراً على الرجال فيما سبق - وأثبتت فيها نجاحاً مهد الطريق لمزيد من أكتساب الفرص فى التأثير على الحياة العملية والمهنية فى المجتمع ..
ولا مجال للحديث أو التباهى - بأن المرأة المصرية شغلت منصب السفيرة والوزيرة وعملت كطبيبة ومحامية ومهندسة بل وأستاذة جامعة وكاتبة وصحفية ومدرسة ... إلى أخره .
وأن كان ذلك لا ينفى أن هناك بعض المناصب أو المهن مازالت حكراً على الرجال دون غيرهم دون أن يساند ذلك نص قانونى أو دستورى - بل أرتكن هذا الأحتكار على أفكار مختلطة تلبس ثوب الدين - مما يرهب الكثيرون من الخوض فى تلك المسألة الشائكة .
* وفى أطار مضمون الورقة البحثية - ينصب النظر على علاقة المرأة بمهنة القانون وكيفية ممارستها لها وعلى أى شكل وبأية كيفية .
والقانون أو النص التشريعى - دون أعمال أو تطبيق - مجرد الفاط متراصة لا حياة فيها ولا تأثير لها .. ومن ثم النظر إلى تطبيق النص القانونى وأعماله يستوجب النظر إلى القائمين بتطبيقه وطبيعتهم وكيفية تأثر ذلك التطبيق لتلك الطبيعة .
* وإذا كان أستقر حق التعليم للمرأة - بكافة أشكاله - دون منازعة جدية من أحد وإذا كانت الجامعات قد أنتشرت بطول البلاد وعرضها - تحتوى ضمن كلياتها - كلية الحقوق تلك التى تعد الدارس فيها للأشتغال بالقانون والعمل فيه .. وإذا كان عدد الطالبات بالجامعات قد تزايد فى جميع الكليات ومن ضمنها كليات الحقوق - فأن عدد الخريجات سنوياً من تلك الكلية والمؤهلات لأمتهان القانون والعمل به - أصبح لافتا للنظر ورغم ما تقدم فمازال هناك بعض الجهات والهيئات التى لم تقبل أو تسمح ويساندها فى ذلك المجتمع - بأشتراك المرأة فيها والعمل بها .
فحتى الأن - منتصف عام 1989 - مازالت المرأة المصرية ليس لها الحق فى العمل كقاضى - سواء كان ذلك بالقضاء العادى بأختلاف درجاته - أو بالقضاء الأدارى أيضاً بأختلاف درجاته - وليس لها الحق فى العمل بالنيابة العامة - وإن كان - أصبح لها حق العمل فى النيابة الإدارية - وحرمان المرأة المصرية من هذا الحق لا يجد له سنداً من الدستور أو حتى من القوانين المنظمة لعمل الهيئات القضائية المختلفة .
فقد نص فى الدستور المصرى على :
م ( 8 ) تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين .
م ( 14 ) الوظائف العامة حق للمواطنين .
والنصين السابقين - لم يخاطبا الرجل دون المرأة - ولم يقررا حق للرجل دون المرأة .
وم ( 165 ) السلطة القضائية مستقلة
م ( 167 ) يحدد القانون الهيئات القضائية وأختصاصها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط وأجراءات تعيين أعضائها ونقلهم .
م ( 172 ) مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة
م ( 174 ) المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة
ثم جاءت القوانين المتعاقبة لتنظم عمل الهيئات القضائية المختلفة .
* فصدر القانون 46 لسنة 72 بشأن السلطة القضائية بديلاً للقانون 43 لسنة 65 ثم عدلت بعض أحكامه بالقوانين 49 لسنة 73 و 35 لسنة 84 .
* وصدر القانون 47 لسنة 72 بشأن مجلس الدولة بديلاً للقانون 55 لسنة 59 وعدلت بعض أحكامه بالقانون 50 لسنة 73 ، 17 لسنة 76 ، 136 لسنة 84 وغيرهم
* وصدر قرار بقانون رقم 117 لسنة 58 بشأن تنظيم النيابة الإدارية والذى عدل بعض أحكامه بالقانون 59 لسنة 55 ، 28 لسنة 68 ، 12 لسنة 81 .
وبالنظر والتأمل فى النصوص الدستورية سابقة البيان وأيضاً بقراءة نصوص التشريعات المذكورة سلفاً والمنظمة لعمل الهيئات القضائية لوجدنا الأتى :
* الدستور المصرى - نص على أن الوظائف العامة حق للمواطنين - دون تمييز بين الرجل والمرأة - وأيضاً نص على كفالة الدولة لتكافؤ الفرص بجميع المواطنين دون تمييز بين الرجل والمرأة .
ومفاد ذلك - وطبقاً للنصوص سالفة البيان فأنه يحق للمرأة شأنها شأن الرجل تولى كافة الوظائف العامة والعمل بها دون حجب لبعض تلك الوظائف أو الأعمال عنها .
ومن ثم يكون طبقاً للدستور - حق المرأة فى تولى العمل فى منصب أو وظيفة القاضى حق مباحاً لا يحتاج لنص خاص لتقريره .
وأيضاً يكون العمل بأى من الهيئات القضائية وفى أية وظيفة بها - شأنه شأن العمل بأى جهة أخرى مباحاً للمرأة .
وإذا كان النص الدستورى جاء عاماً بالنسبة للهيئات القضائية المختلفة لكيفية عمل تلك الهيئات وطريقة تشكيلها - فإن ذات النص قد أحال الأمر للقانون لتنظيمه .
* وبالرجوع إلى القوانين المنظمة لعمل الهيئات االقضائيه وكيفية تشكيلها - لم نجد بينها وبين الدستور تناقضاً بأن أستبعاد المرأة من العمل فيها أو الألتحاق بها - بل جاءت تلك القوانين خالية من أية نص يستبعد أو يحول بين المرأة وبين مشاركتها فى العمل بتلك الهيئات ..
ورغم ذلك فأن بعضاً من الهيئات القضائية - مازالت وعلى نحو واقعى - مغلقة أمام - المرأة وغير مسموح لها بالعمل فيها - والبعض الأخر ( النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة ) فتح أبوابه أمام المرأة للعمل به - رغم أن النصوص المنظمة للألتحاق بهذه الهيئات وشروط التعيين فيها متماثلة ( تراجع المادة رقم 116 و 31 لقانون لسنة 72 بشأن السلطة القضائية والخاص بشروط به "
والمادة رقم 33 من القانون 117 لسنة 58 وتعديلاته والخاص بشروط تعيين أعضاء النيابة الإدارية " مسموح للمرأة بالألتحاق .
* والأمر على نحو أكثر وضوحاً - أن المرأة المصرية مازال محجوباً عنها منصب القضاء وأصدار الأحكام - دون غيره من عمل ومناصب الهيئات القضائية .
ولأن العمل بالنيابة الإدارية أو بهيئة قضايا الدولة - لن يتيح لها ذلك فقد سٌمح لها بالألتحاق به - دون أن يمتد ذلك إلى القضاء العادى ومجلس الدولة - بدرجاتهم المختلفة ...
* ودون تولى المرأة لهذا المنصب فالعمل بالقانون على أى نحو كان متاح لها .. وهو الأمر الذى يشكل تعسفاً واضحاً ضد المرأة وانتقاصاً من مساواتها بالرجل واعتداء على حق دستورى يكفل لها تمام المساواة بينها وبين الرجل فى شغل كافة الوظائف العامة .
* ويرتكن حظر تولى المرأة لمنصب القضاء وأصدار الأحكام على مقولات عامة ظاهرها الأرتكان على الدين - وأجتماعياً يشاع أن المرأة لا تصلح لمنصب القضاء لأنها " ناقصة عقل ودين " - وأن المرأة عاطفية هوجاء لا تستطيع التجرد من مشاعرها على نحو يكفل لها الحياد فى الحكم.
وأيضاً تسود قاعدة أنه " لا ولاية للمرأة فى الاسلام .وباعتبار أن إصدار الحكم نوع من الولاية فأن المرأة لا تصلح له.ورغم أن ذلك جميعه مردود عليه - بأن هناك العديد من الدول العربية الإسلامية قد أتاحت للمرأة تولى منصب القضاء وأصدار الأحكام - شاملاً ذلك جميع أنواع القضايا بما فيها القضاء الجنائى - وشاملاً ذلك أيضاً جميع درجات القضاء.وأرتكنت فيما قامت به على تفسيرات مختلفة للنصوص الدينية والقواعد الفقهية ومن الثابت بأراء جمهور الفقهاء جواز تولى المرأة القضاء إلا فى مسائل الحدود وهى المسائل التى لم يتم تطبيقها حتى الأن فى أغلب المجتمعات العربية ( تراجع التجربة التونسية والسودانية بهذا الخصوص ).
* ويساند حظر تولى المرأة لمنصب القضاء - أنفراد الرجال وحدهم بتلك السلطة لزمن طويل - الأمر الذى أصبح معه تفكير أيه أمرأة بالعمل بالقضاء أمراً مثيراً للأستغراب والدهشة والأستهجان بل والتندر .وأن كانت الأمانة العلمية تقتضى ذكر أن هذه القضية غائبة عن عقل الحركة النسائية - ولم يبذل بها ثمة جهد جماعى ولو على سبيل المحاولة .
* وبأستثناء ما تقدم فأن العمل بالقانون متاح للمرأة المصرية - فالمرأة تعمل بمهنة المحاماة وبنجاح دون أية قيود تشريعية أو معوقات أجتماعية - وهناك المئات من المحاميات الممارسات للمهنة وعشرات منهن ذات أسماء لامعة وناجحة فيها ..
* وأن كان جدير بالبيان - أن المرأة تمارس العمل فى جميع الأجهزة الفنية والمعاونة لعمل القضاء - والتى تساعد بعملها على أجلاء الحقيقة أمام القاضى لإصدار حكمه ..
* فالمرأة تعمل بهيئة الخبراء التابعة لوزارة العدل - سواء كانت خبيرة حسابية أو هندسية أو غيره - حيث تقدم الرأى الفنى فى القضايا التى تحال إليها من المحاكم .
* وأيضاً تعمل بالطب الشرعى ومعامل التحليل الكيميائى - وهى أجهزة فنية منوط بها فحص الأدلة فى القضايا على نحو يساعد القاضى مصدر الحكم فى الأنحياز لهذا الأمر أو ذاك .. وتقوم المرأة أيضاً بالعمل فى الشئون القانونية للجهات المختلفة مع ما قد يتطلبه ذلك من التحقيق مع العاملين وما يستتبع ذلك من سلطات لها .. كذا تشغل المرأة - أو متاح لها أن تشغل - جميع الأعمال الإدارية والكتابية فى النيابات والمحاكم - دون معوقات .
* وباستقراء ما تقدم - يلاحظ أتاحة الفرضة للمرأة بالعمل بمهنة القانون بكافة صورها وأشكالها - دون تولى منصب القضاء .. وهو الأمر الذى يؤثر سلباً على رؤية وطبيعة القضايا الخاصة بالمرأة والأحكام التى تصدر فيها - سيما قضايا الأحوال الشخصية . فإذا كان تجرد القاضى وحياده أمراً هاما ً ومطلوباً - إلا أن نزع التأثيرات الأجتماعية من خلفية القاضى وهو بصدد النظر فى القضايا أمر غير متصور عملياً ..
ولما كان القضاة جزء من المجتمع - فأنهم وبالضرورة متأثرون بالقيم الأجتماعية السائدة وأيضاً نتاج لنشأة اجتماعية تتيح للرجل سلطات مطلقة وواسعة فى مواجهة المرأة - فأن ذلك لابد وأن ينعكس بالضرورة فى أحكامهم وعلى الأخص فى القضايا والنزاعات الخاصة بالمرأة والرجل .. سيما أن النصوص التشريعية تعطى سلطات تقديرية واسعة للقاضى يتدخل فيها وعلى النحو سالف البيان الأفكار والمفاهيم والقيم والعادات والتقاليد ..
وينعكس هذا جلياً - فى قضاء الأحوال الشخصية - بشأن العلاقة بين الرجل والمرأة فى أطار الزواج وخارجه - وعلى الأخص أن النصوص المنظمة لذلك الأمر - فضفاضه ومرنه وتعطى سلطة تقديرية واسعة للقاضى .. ومنها على سبيل المثال " إذا إدعت الزوجة أضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها يجوز لها أن تطلب من القاضى التفريق وحينئذ يطلقها القاضى طلقة بائنة إذا ثبت الضرر " فهذا النص يجعل مسألة الضر نسبية للغاية - ويرد فى كتب الفقه وأحكام القضاء شرحاً لتلك المادة - أن الضرر المستوجب للطلاق يختلف بين أمرأة وأخرى حسب الوسط الاجتماعى والثقافة والبيئة .. بل ان مفهوم القاضي المنفذ للقانون للضرر ايضا يتدخل في كيفيه تطبيق النص فتنعكس البيئة والوسط الأجتماعى وغيرها على رؤية القاضى للضرر المستوجب للطلاق - فإساءة المعاملة والزجر الذى يعتبره احد القضاه مبررا ً للطلاق بأعتباره ضرراً - ليس كذلك من وجهة نظر غيره يعتبر أن تأديب الزوجة حتى ولو بضربها والأعتداء البدنى عليها ليس ضرراً مستوجباً للطلاق
والأمر فى مجمله بعيد عن تصور القضاه الرجال - فالطلاق بالنسبة لهم حق مطلق لا يستلزم ضرراً ولا يستوجب مبرراً - على عكس المرأة والتى هى أقدر على تفهم مثل هذه المسألة والإحساس بها .
* ويتضح مما تقدم أن عدم شغل المرأة لمنصب القاضى - أثر سلباً فى تطبيق العديد من النصوص القانونية على نحو حال بين المرأة وبين نيل حقوقها المقررة قانوناً .
* ورغم القناعة الكاملة بضرورة المساواة الكاملة بين المرأة والرجل فى جميع أوجه الحياة وتولى كافة الوظائف والأعمال - ومنها على النحو السابق بيانه - العمل بمنصب القضاء.فأنه واحتراما للقيم الاجتماعية السائدة ومحاولة لتغيرها على نحو تدريجى فأن تولى المرأة لمنصب القاضى وعلى نحو أولى فى محاكم الأحوال الشخصية ومحاكم الأحداث حتى لو فى أطار دوائر مختلفة التكوين من الرجال والنساء من شأنه أن يكون بداية لكسر دائرة المنع والاحتكار .ويمكن أن يمتد ذلك العمل إلى هيئة المفوضين التابعة لمجلس الدولة كذا يمكن أن ينحصر الأمر مبدئياً فى المحاكم والهيئات الكائنة بالمدن والحضر دون الريف على أن يكون ذلك فى أطار تدرج زمنى ينتهى بتمام المساواة بين الرجل والمرأة فى العمل فى جميع الهيئات القضائية بكافة درجاتها ووظائفها ..بل أن أشتراك المرأة بالعمل فى الهيئات القضائية المختلفة - قد يكون معاوناً للخروج من مأزق قلة عدد القضاه والعجز عن زيادتهم من المتخصصين ذوى الخبرة - فيمكن الاستعانة بالعديد من النساء المشتغلات بالقانون فعلاً سواء فى المحاماة أو النيابة الإدارية أو هيئة قضايا الدولة أو غيرها من الأعمال القانونية وهن ذوات خبرة بالأشتغال بالقانون فعلاً - لزيادة عدد أعضاء الهيئات القضائية ولا يحتاج ذلك لنص خاص فعلى سبيل المثال يكفى الرجوع إلى نص المادة ( 39 ) فقرة ( جـ ) والمادة 41 بند أولاً فقرة ( جـ ) وبند ثانياً فقرة ( جـ ) وبند ثالثاً فقرة ( جـ ) وبند رابعاً فقرة ( جـ ) والمادة 43 فقرة ( جـ ) وأيضاً المادة 47 - من القانون 46 لسنة 72 بشأن السلطة القضائية - وهى جميعها النصوص التى بالمهنة أمام محاكم الاستئناف والنقض - حيث يمكن وبشكل واقعى أن يمتد ذلك إلى المحاميات بذات الشروط المنصوص عليها قانوناً ..وأيضاً المواد 74 - 75 فقرة ( هـ ) ، 76 فقرة ( د ) ، 77 فقرة ( ذ) ، 78 فقرة ( ذ ) ، 79 فقرة ( هـ ) ، 80 فقرة ( هـ ) من القانون رقم 47 لسنة 72 بشأن مجلس الدولة - وهى المواد التى تجيز تعيين أعضاء مجلس الدولة من المحامين المشتغلين بالمهنة وفقاً للشروط الواردة فى تلك المواد - وهى الشروط التى تتسع للمرأة المحامية شأنها فى ذلك شأن المحامى الرجل .
* وخلاصة ما تقدم :-
أن علاقة المرأة بمهنة القانون - علاقة وثيقة تمتد لكافة الأعمال والوظائف والمهن - باستثناء العمل بمنصب القاضى - دون أن يساند هذا الاستثناء نص تشريعى وسند دستورى بل العكس من ذلك على ما سلف البيان .. وأن عدم أشتغال المرأة بمنصب القاضى - إنما هو نوع من أهدار المساواة بينها وبين الرجل - وأعتداء على حقها الدستورى .وأن هذا الحجب يؤثر فى طبيعة الأحكام والفصل فى النزاعات سيما التى تكون المرأة طرف فيها.وأنه لا معوق من الناحية العملية أو التشريعية - من أشتغال المرأة بمنصب القاضى وعلى نحو تدريجى كما سبق بيانه وبالاستناد فى ذلك على ذات النصوص التشريعية المنظمة لعمل الهيئات القضائية دون الحاجة إلى تدخل تشريعى جديد
(ملحوظة - في اغسطس ٢٠٠٨ - تم تعيين عدد من القاضيات بالقضاء المصري عام ٢٠٠٧ )
الجزء الثالث - المرأة كمحل للتنظيم القانونى
إذا كان الجزءان الأول والثانى من هذه الورقة البحثية - قد تناولا علاقة المرأة بصناعة النص التشريعى من ناحية وعلاقتها بمهنة القانون من ناحية أخرى فأن هذا الجزء الثالث عن وضع المرأة كمحل للتنظيم القانونى والتشريعى يكون المكمل والأخير لعلاقة المرأة بالقانون .
لا ينفصل عن علاقتها بالنص التشريعى أو علاقتها بمهنة القانون - بل هو أنعكاس دقيق لهذه الأمور - فغياب المرأة عن صناعة النص التشريعى وغيابها عن تطبيقه يؤثر بالضرورة على وضعها كمحل للتنظيم القانونى وعلى التشريعات المختلفة التى تعالج شئونها وأمورها وعلى التطبيقات الواقعية لتلك التشريعات ..
* وبالطبع لن تتسع تلك الورقة البحثية - للنظر الدقيق لكل التشريعات والقوانين ورؤية وضع المرأة فيها وكيفية تنظيم تلك التشريعات لشئونها وإنما ينحصر الحديث على بعض الأمثلة من بعض التشريعات كعينة بحثية .
أولاً : قانون العقوبات :
* قانون العقوبات - هو مجموعة من القواعد القانونية تحدد الأفعال التى تعد جرائم وتبين العقوبات المقررة لها .
والجريمة هى واقعة قانونية تتمثل فى فعل غير مشروع محل للتجريم والعقوبة هى النتيجة القانونية المترتبة عليها . والجرائم تنقسم إلى درجات ثلاث من حيث جسامتها فتختلف بإخلاف العقوبة فيما بينها .
* وقد صدر قانون العقوبات السارى حالياً فى 31 يوليو 1937 - برقم 58 لسنة 37 وبدأ سريانه منذ 15 أكتوبر 1937 ( 15 ) .ومنذ صدوره وحتى الأن - أدخلت عليه عشرات التعديلات بالحذف والإضافة والتحوير والتشديد حيث عدل فى سنوات 1940 - 1946 - 1947 - 1949 - 1951 - 1952 - 1953 - 1954 - 1956 - 1957 - 1962 - 1970 - 1973 - 1975 - 1977 - 1981 - 1982 - 1984 .
وذلك رغبة من المشرع فى مواكبة التطور الاجتماعى والتغيرات السياسية والاقتصادية ورغم ذلك - لم تشمل تلك التعديلات بعض المواد العقابية الخاصة بالمرأة - فلم ترى المؤسسة التشريعية طوال تلك السنوات ضرورة أو مبرر لإعادة النظر أو أعادة التقييم لبعض نصوص العقوبات الماسة للمرأة - كذا لم تقوى الحركة النسائية على نحو يستطيع طرح التعديلات أو إعادة الصياغة فى المواد المذكورة بشكل أجتماعى واسع يحمل وجهة نظرها - بما يشد أنتباه المؤسسة التشريعية بشأن تلك المواد ..
* فإذا كانت القاعدة العامة بالنسبة للنصوص العقابية عدم التفرقة بين الرجل والمرأة بشأن خضوعهم لها والمساواة بينهم بالنسبة للعقوبة وكذا توافر أركان الجريمة فأن هذه القاعدة العامة قد خرج عنها المشرع فى بعض النصوص دون أن يكون لذلك سنداً إلا تمييز وضع الرجل عن المرأة .
فالسارق أو السارقة يعاقبان بذات العقوبة - ان توافرت ذات الشروط والظروف عند ارتكاب ذات الفعل الإجرامى - وكذا لا يفرق بين المرتشى والمرتشية ، من الموظفين العموميين ولا بين مرتكبى جرائم الأشخاص والأموال والجرائم الماسة بالمصلحة العامة من الرجال والنساء عند توقيع العقوبة عليها ..
* إلا أنه بإنتقاء بعض المواد الواردة فى قانون العقوبات - نجد أنها تؤكد محاباة المشرع للرجل وتميزه له دون المرأة .. على النحو التالى :
- المادة 337 عقوبات ( 16 ) نصت على " من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها فى الحال هى ومن يزنى بها يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبات المقررة فى المادة 234 ، وبالرجوع إلى نص المادتين 234 ، 236 ( 17 ) لوجدنا أن الأولى تعاقب على القتل بالاشتغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة والثانية تعاقب على الضرب المفضى إلى الموت بالأشغال الشاقة أو السجن من 3 حتى 7 سنوات .
أى أن المشرع قد نظر بعين الرأفة للزوج الذى يضبط زوجته متلبسة بالزنا فنزل بالجريمة التى أرتكبها من درجة الجنايات المعاقب عليها بالإشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقته إلى درجة الجنح المعاقب عليها بالحبس .
إذا كان مراعاة ظروف الزوج النفسية فى مثل الحالة المذكورة - أمر هام - يقدر للمشرع فيه معاملته معه على نحو مشمول بالرأفة نظراً لإنعدام طبيعته الإجرامية - فإن عدم إمتداد تلك الرأفة لو تماثلت الظروف ذاتها للمرأة وارتكبت ذات الفعل - أمر غير مفهوم وغير قائم على سند أو مبرر رغم ما يتعلق الأمر بمسائل قانونية أخرى .
فالحالة النفسية والعصبية التى يتعرض لها سواء الرجل أو المرأة حال ضبطه لشريك حياته متلبساً بالخيانة - حالة مماثلة - بل قد يكون لرجال الطب النفسى رأى أكثر تشدداً فى أن المرأة ستكون حالتها النفسية والعصبية أسوء - إلى جانب إنعدام الطبيعة الإجرامية لكل منهما وأن الفعل الإجرامى الذى سيرتكبه كل منهما فى مثل تلك اللحظة - إنما سيكون وليد إنفعال وألم نفسى - بغير تخطيط له أو سبق إصرار .
وكان أولى بالمشرع - مادام قد وضع نصاً قانونياً خاص يعالج جريمة القتل لو حدثت بسبب ونتيجة أكتشاف الخيانة الزوجية ( الزنا ) يخفف به العقوبة عن تلك التى وردت بالنص العام - أن يشمل ذلك كل من الرجل والمرأة على قدر المساواة ودون تمييز - إذ أنه ليس من العدل أن يعاقب الرجل بالحبس ستة شهور مع الإيقاف عن ارتكابه لذات الفعل الذى تعاقب المرأة عنه بالأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة - ولا ينال من ذلك - أن يرد علينا بأن المحكمة ستنظر لها بعين الرأفة وتخفيف العقوبة مراعاة لحالتها النفسية - إذ أن ذلك مسألة تقديرية وليست ملزمة لا يعول عليها .
* أيضاً المادة ( 262 ) ( 18 ) والتى تعاقب المرأة الحامل بسبب الإجهاض سواء بنفسها أو بواسطة غيرها - بالحبس .فأن هذه المادة وما قبلها من مواد - تلك التى تنظم عقاب من تسبب أو شارك فى أسقاط ( إجهاض ) المرأة الحامل - بما فيها المرأة ذاتها فأنها من ناحية أن تمد مظلة العقوبة للزوج - زوج المرأة الحامل - سيما إذا ثبت موافقته على الإجهاض أو إجبار الزوجه عليه - سواء كان إجباراً مادياُ بالإعتداء عليها - أو إجباراً نفسياً بالضغط عليها أو تهديدها بالطلاق أو غيره - بل أيضاً لو ثبت علمه وصمته .وفاتها من ناحية ثانية - إعفاء بعض الحالات من العقاب - كأجهاض المرأة بسبب سوء حالتها الصحية - أو كثرة الأطفال لديها - أو تعرض الفتاة لحالة إغتصاب نتج عنها حمل غير مرغوب فيه ولا يتصور قبولها له واستمراريتها فيه - إن لم يكن من الناحية النفسية باعتباره نتيجة الفعل الإجرامى معها - فمن الناحية الإجتماعية التى ستدين ذلك الطفل وترفض الإعتراف به .وهذه النقاط جميعها توازن تلك النصوص العقابية وتحقق بها العدل فى معالجتها للموضوع وتساوى بين الرجل والمرأة فى تحمل المسئولية الجنائية - دون أن تحمل المرأة وحدها مسئوليته . وإن كان خارج عن سياق الحديث - الموقف من الإجهاض ذاته بالموافقة عليه أو رفضه .
* كذا التفرقة الواردة من المشرع بين إرتكاب المرأة للخيانة الزوجية وإرتكاب الرجل للخيانة الزوجية وهما الفعلين المعاقب عليهما فى المادتين 274-277 ( 19 ) .
فنصت المادة 274 على " المرأة المتزوجة التى ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين ولكن لزوجها أن يوقف تنفيذ الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت " أما المادة 277 فنصت على " كل زوج زنى فى منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى زوجتة يجازى بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور ".
* وبالمقارنة بين النصين لوجدنا التفرقة واضحة بين أحكامها بالنسبة لكل من الرجل والمرأة - وأن كان جدير بالذكر التأكيد على أن الخيانة الزوجية مرفوضة ومستهجنة سواء تمت من الرجل أو المرأة - وأيضاً التأكيد على أن ليس هدف تلك المقارنة تخفيف العقوبة عن المرأة مساواة بالرجل - بل تشديدها عليهما معاً .
* فجريمة الزنا بالنسبة للرجل لا تتوافر أركانها إلا إذا تمت فى منزل الزوجية بمعنى أن ارتكاب الرجل للزنا أو الخيانة الزوجية خارج منزل الزوجية أمر غير معاقب عليه وهو تحريضاً من المشرع للرجل بإتمام فعل الخيانة الزوجية خارج منزل الزوجية وتنبيها له .. بينما المرأة تتم بالنسبة لها جريمة الزنا سواء تمت فى منزل الزوجية أو فى أى مكان - وهى تفرقة غير مفهومة - فالجريمة بالنسبة لكل منهما واحدة التأثير والدلالة - ومن غير المبرر فى هذا الخصوص أنه بتغير المكان يتغير الفعل من كونه فعل إجرامى إلى كونه فعل مباح غير معاقب عليه .
* كذا بالنظر إلى العقوبة الواردة فى كل من النصين - لوجدنا أنها بالنسبة للمرأة أكثر تشدداً منها بالنسبة للرجل على نحو لا يقارن - دون سبب مفهوم أو مبرر قانونى - والأولى بالمشرع أن يشدد العقوبة بالنسبة لكليهما وأيضاً يوحد أركان الجريمة .. عليهماً بأن هذه التفرقة شأنها شأن غيرها من بعض مظاهر التفرقة مخالفة للشريعة الإسلامية .
* أيضاً بلفت النظر فى قانون العقوبات المادة 291 ( 20 . 22 ) التى تنص على " إذا تزوج الخاطف بمن خطفها زواجاً شرعياً لا يحكم عليه بعقوبة ما " .
والملفت أكثر - أن كل من المواد 288 - 289 - 290 - 292 قد عدلوا سواء فى عام 1980 أو عام 1982 - ورغم ذلك بقيت تلك المادة على حالها دون ينالها ثمة تعديل أو تغيير .
فهذه المادة - تضع المرأة المختطفة تحت ضغوط إجتماعية وأسرية عنيفة - لمحاولة إجبارها على الزواج من خاطفها درءاً للفضيحة الإجتماعية سيما أن هذا الخاطف سيكون على أتم الإستعداد والقبول لإتمام الزواج باعتباره معفياً له من العقاب .
بل أن هذه المادة - تفتح المجال لكل رجل يريد الزواج من امرأة ترفضه - هى أو أهلها - أن يخطفها - ويضعهم جميعاً أمام الأمر الواقع والتهديد بالفضيحة الإجتماعية .
بل أنه فى الآونة الأخيرة تحديداً ومع تزايد جرائم الخطف والإغتصاب كان أولى على المشرع أن يغلف باب الإعفاء من العقوبة تماماً - أو حتى تخفيفها فى وجه الجناه ردعاً لهم ومحاولة لتضييق نطاق الجريمة .
( ملحوظه في اغسطس ٢٠٠٨ - تم تعديل قانون العقوبات بالغاء الماده الخاصه باعفاء الخاطف من العقاب خلال عام ٢٠٠٥ )
* وخلاصة ما تقدم جميعه - أن مثل النصوص السابق ذكرها والتعليق عليها أنما قائمة بالأساس على تمييز غير مبرر بين المرأة والرجل سواء فى أركان الجريمة أو عقوبتها وهذا وأن دل على شئ - يدل على سيادة النظر الرجولية عند صناعة النص التشريعى على نحو يحابى فيه الرجال أنفسهم - ويخففوا عن بعضهم العقوبة ويبيحوا لأنفسهم أفعالاً دون مبرر قانونى مع عقاب المرأة عن ذات الأفعال .وهذا وذاك لا يفسره فقط غياب المرأة عن المؤسسة التشريعية وصناعة النص التشريعى وعدم قدرة الحركة النسائية على حشد عموم النساء للتصدى لمثل تلك النصوص بما فيها من تمييز لوضع الرجل عن المرأة وأهدار لقواعد العدالة - بل يفسره أيضاً عدم إدراك الحركة النسائية لوجود مثل هذه النصوص وعدم وعيها بأهمية تغييرها ..
ثانياً : قانون التأمينات الأجتماعية :
* بالنظر فى قانون التأمينات الأجتماعية 79 لسنة 75 وتعديلاته ( 22 ) المواد 104 وما بعدها والخاصة بالمستحقين للمعاش وشروط أستحقاقهم - نجد أن الزوج لا يستحق معاش زوجته ( المرأة العاملة ) إلا إذا كان عاجزاً عن التكسب . بخلاف الزوجة التى يحق لها الجمع بين معاشها عن زوجها ومعاشها عن نفسها - أو دخلها من العمل أو المهنة ورغم ما قد يبدو فى تلك النصوص من محاباة المرأة على حساب الرجل - فأن حقيقة هذه النصوص تكريس لدونية المرأة عن الرجل وإهدار لحقها القانونى فى ترك معاشها لزوجها أسوة به فى ترك معاشه لها ..سيما أن قانون التأمينات الإجتماعية يسرى على جميع العاملين رجال ونساء دون تمييز بينهم - وفى النظام التأمينى ضماناً مستقبلياً بعد وفاة المؤمن عليه - فإذا كانت المرأة تقوم بسداد الأشتراكات التأمينية شأنها شأن زميلها الرجل - فلا مبرر لحرمانها من أعطاء معاشها لزوجها بعد وفاتها - حتى لو كان قادر على العمل والتكسب ( ملحوظه في اغسطس ٢٠٠٨ - حكمت المحكمه الدستوريه العليا بعدم دستوريه المواد المانعه للزوج من استحقاق معاش زوجته )
ثالثاً : - قانون العاملين بالدولة :
* بالنظر إلى قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 78 ( 23 ).تجد أن المادة 72 والتى " تجيز للسطلة المختصة .. الترخيص للعاملة بأن تعمل نصف أيام العمل الرسمية مقابل نصف الأجر المستحق لها".
ورغم ما قد يبدو فى تلك المادة ظاهرياً - من أنها توفر للمرأة ميزة دون الرجل إلا أن النظر العميق لدلالاتها يوضح - أنها تكرس دونية المرأة وتقرر بكونها كائن أقل من الرجل فى الأهمية - ولا تأثير لها على العملية الإنتاجية سواء بحضورها وقت العمل كله أو نصفه .وكان أولى بالمشرع أن أراد أن ينص على ذلك الحق أو الميزة - أن يسمح به للرجال والنساء دون تمييز بينهم أو تفرقة ..فمثل هذه التفرقة تؤدى إلى دعاية إجتماعية مضادة لعمل المرأة باعتبارها كماً إضافيا غير مؤثر فى العملية الإنتاجية ولا أهمية لدورها فيها ..
رابعاً : قانون العاملين بالقطاع العام :
والقانون 48 لسنة 78 الخاص بالعاملين بالقطاع العام ( 24 ) شأنه فى ذلك شأن القانون 47 لسنة 78 - حيث ورد فى مادته (74 ) ذات المضمون " يجوز لرئيس مجلس الإدارة .. الترخيص للعاملة بأن تعمل نصف أيام العمل الرسمية وذلك مقابل نصف الأجر المستحق لها .. "
ويسرى على تلك المادة - ذات التعليق الوارد أعلاه والخاص بالمادة 72 .
خامساً : قوانين الأحوال الشخصية :
* يبقى النقطة الأخيرة والخاصة بقوانين الأحوال الشخصية ولن نتطرق إلى الحديث عن كل نصوصها وإنما فقط بعض منها - والذى يظهر فيه التمييز الواضح للرجل على المرأة والسلطات المطلقة له ..
* منها المادة ( 1 ) ( 25 ) من القانون 25 لسنة 20 المعدل بالقانون 100 لسنة 85 فقرة ثالثة ورابعة والتى جاء بها ..
" لا تجب النفقة للزوجة إذا أرتدت - أو أمتنعت مختارة عن تسليم نفسها .. أو خرجت دون إذن زوجها ولا يعتبر سبباً لسقوط نفقة الزوجة خروجها من مسكن الزوجية - دون إذن زوجها فى الأحوال التى يباح فيها ذلك بحكم الشرع مما ورد به نص أو جرى به عرف أو قضت به ضرورة ولا خروجها للعمل المشروع ما لم يظهر أن أستعمالها لهذا الحق المشروط مشوب بإساءة استعمال الحق - أو مناف لمصلحة الأسرة وطلب منها زوجها الأمتناع عنه " .
- جاءت الفقرة الثالثة - مطلقة فيما نصت عليه من عدم وجوب النفقة للزوجة إذا خرجت دون إذن زوجها - وعندما حاول المشرع فى الفقرة الرابعة استثناء بعض الحالات من كونها سبباً لسقوط نفقة الزوجة - كانت استثناءات فضفاضة حمالة أوجه فى التفسير والتطبيق الواقعى - دون أن تقيد السلطة المطلقة للرجل فى مواجهة زوجته وما يحق له من منع النفقة عنها إذا خرجت دون إذنه - وهو الأمر الذى يساعد استغلاله من الرجال ويمكنهم من التحكم فى زوجاتهم - سيما اللاتى ليس لهن مصدر دخل أو رزق .بل أن حتى خروجها للعمل واستمرارها فيه معلق على شرط عدم طلب زوجها له بالامتناع عنه - على سند من تنافى ذلك مع مصلحة الأسرة وهى عبارة مرنة تبيح للرجال حتى منع نسائهن من العمل بشكل متعسف .
- أيضاً المادة ( 8 ) ( 26 ) من ذات القانون - والتى تعالج وضع زوجة المفقود والمفقود هو الغائب الغير معلوم مكانه ولا يعلم ما إذا كان حياً أو ميتاً " . ويعتبر ميتاً من وقت الحكم بموته .
نصت تلك المادة على " إذا جاء المفقود أو لم يجئ وتبين أنه حى فزوجته له - مالم يتمتع بها الثانى غير عالم بحياة الأول - فأن تمتع بها الثانى غير عالماً بحياته كانت للثانى مالم يكن عقدة فى عدة وفاة الأول " .ويلاحظ على هذا النص - أنه يتعامل مع وضع الزوجة بتلقائية بأعتبارها أقرب إلى الجماد دون الرجوع إليها أو أخذ رأيها . . بل الأمر كله قد رتبه النص بشكل تلقائى - بل حتى عبارات النص ذاتها - واضحة الدلالة فى شيئية المرأة ويظهر ذلك جلياً من لفظة ( التمتع ) وعبارتى ( فزوجته له ) ، ( كانت للثانى ) .الصورة الواقعية لهذا النص - أن تنتظر زوجة زوجها الغائب فترة طويلة دون أن تعلم مكانه أو كونه حياً أو ميتاً .. ثم تستصدر حكماً بموته وتقرر الأرتباط بأخر وتستعد لذلك الأمر نفسياً وعاطفياً - تعقد قرانها عليه ( ربما كان ذلك كله بعد سنوات طويلة من غياب الزوج والحكم بموته ) ثم تفاجئ بعودة زوجها الغائب أو تعلم كونه مازال حياً - هنا وطبقاً للنص المذكور يستلزم عليها أن تعود إلى زوجها الأول وتنهى زواجها الثانى دون أختيار منها أو تفكير .وهو أمر يتعامل مع المرأة ككائن أدنى - بل كشئ لا إرادة له وأختيار ..
- والمادة ( 18 ) مكرر ( 27 ) ثالثاً من القانون 25 لسنة 29 المعدل بالقانون 100 لسنة 85 الفقرة الرابعة :
" إذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده ".فإذا كان النص المذكور قد عالج وضع الحاضنة أثناء فترة الحضانة على نحو مقبول بأن سمح لها بالبقاء فى سكن الزوجية حتى يوفر لها المطلق الزوج مسكن حضانة أخر أو يدفع لها أجرة سكن حضانه .فقد فات النص - وضع الحاضنة بعد انتهاء فترة الحضانة وتجاوز الأطفال لذلك السن - حيث وقتها وطبقاً لذات النص للمطلق الحق فى العودة إلى السكن مع أولاده بما مفاده خروج الحاضنة من السكن دون أن يولى المشرع الأهتمام لتلك المرأة والتى أمضت سنوات طويلة لرعاية الأطفال المحضونين - فساوى بين المرأة التى قد يكون لها مقر أقامة أخر غير مسكن الحضانة وبين تلك التى لا مقر لها .وكان أولى بالمشرع - مع مراعاة الظروف الإجتماعية وأزمة الأسكان الطاحنة - أن يعطى الأولوية للمرأة فى البقاء فى المسكن - سيما أن بقاء المطلق خارج مسكن الحضانة طوال فترة الحضانة يشير إلى إيجاد مقر لأقامته طوال تلك السنوات عكس المرأة - ناهيك عن الصعوبات الإجتماعية التى قد تلقاها المرأة فى الأستقلال بمسكن لوحدها بعكس الرجل وعلى الأخص نساء الطبقات الفقيرة والشعبية - والنساء غير العاملات - أو اللاتى ليس لهن دخل مستقل ..
وننتهى مما سبق بيانه بأن وضع المرأة كمحل للتنظيم التشريعى والقانونى ومن النصوص سالفة البيان - وضع مازال متدنياً عن وضع الرجل فحقوقها منتقصة وللرجل عليها سلطات مطلقة - ومازالت أوضاعها ومشاكلها تعالج دون تعمق أو أنتباه لرؤيتها الخاصة فى حل تلك المشاكل ..
وهو وضع للأسف - شاركنا - ونشارك فيه جميعاً .
ونتحمل مسئوليته - بقدر متساوى - جميعاً - نحن النساء .
- ورقه بحثيه مقدمة للمؤتمر السابع عشر لإتحاد المحامين العرب دمشق – يونيو١٩٨٩ -
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق