أن الحديث عن الحماية القانونية للطفلة الأنثى من العنف وأيضاً البحث عن ثمه وضع خاص لها فى القوانين ، بحثاً عن التمييز ضدها أو لصالحها ، إنما أمر يشق فى مجال هذه الورقة المختصرة ، إنما تقتصر هذه الورقة على مجرد التنبيه إلى مؤشرات من شأنها أن تساعد على دراسة أكثر عمقاً وأوضح جلاله ..فأنا أرى أن العنف المجتمعى الذى يباشر ضد النساء عموماً ، والقاصرات منهن طبقاً للتعريف القانونى – أى أقل من 21 سنه – إنما عنف مجتمعى واسع من وجهة نظرى – وإذا كنا نبحث عن الطرق والوسائل القانونية المتوفرة لعلاج أو الحد من هذا العنف ، فعلينا فى البداية أن نؤكد أن المشكلة الحقيقية أن ما قد أراه أن أشكال متعددة من العنف ، قد يراه المجتمع نتيجة لنسقه القيمى الحاكم وأفكاره وعاداته وتقاليده وأعرافه السائدة – المشوبه بالخلط المتعمد بالمفاهيم الدينية – سلوكاً طبيعياً يلزم الحفاظ عليه وتدعيمه ومقاومة أى تغيير له ، وهنا تبرز إشكالية التناقض بين ما قد نراه نحن كنخبة مثقفة – معزوله – من مفاهيم وسلوك يلزم تغييرها وبين ما يراه العامة فى ذات المفاهيم والسلوك من قيم يحرصون عليها وعلى تدعيمها وعلى بقائها الأزلى !!!والعنف الذى يمارس ضد الأنثى الطفله ، هو عنف له خصائص مختلفة ويمكن تصنيفه طبقاً لمصدره سواء كان عنف أسرى تمارسه معها الأسرة والعائلة – أو عنف مجتمعى يمارسه المجتمع مع الفتيات دون أعتبار لشخصهن طبقاً لآليات سلوكه الإجتماعى عموماً – وهو فى جميع الأحوال عنف قديم ومستمر ومتنامى !!!
أولاً : العنف الأسرى
أن دراسه ورصد أشكال العنف الأسرى قبل الأنثى الطفله ، أمر شديد الصعوبه لأن كافة أشكال هذا العنف مختلطة بكافة أنواع السلوك الأسرى قبل الفتاه ومعها كنسيج واحد متشابك ، بحيث يلزم مراجعة كافة أشكال السلوك والتعامل الأسرى مع الطفلة الأنثى و اكتشاف المنطلقات والمرجعيات المسببه لهذا السلوك ، مما – من وجه نظرنا – سيبين معه أن العنف ضد الفتاه جزء أصيل من التراث ، من العادات والتقاليد والأعراف ، المهيمنه على عقل المجتمع شخوصاً وأفراد وككيان معنوى ..والمشكلة فى العنف الأسرى الذى يمارس ضد الأنثى الطفله – أن المجتمع وبالتالى الأسره وأفرادها لا يعتبروه عنفاً – بل يعتبروه سلوكاً طبيعياً لابد من ممارسته معها وفقاً لتصورات الأسره عن الأدوار الطبيعيه للأنثى تلك الأدوار التى تستلزم سلوكاً أجتماعياً جامحاً لطفولتها ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ؟؟؟
هل تعتبر الأسر المصرية وعلى الأخص السيدات فيها " أم أو أخت أكبر أو جده " أن تعليم الفتيات للطبخ وأعمال الخدمة المنزلية – سواء طوعاً من الفتاه أو قهراً لها – نوعاً من ممارسة العنف مع الطفلة ؟؟ أم تعتبره إعداد لازم للفتاه لدورها المستقبلى كزوجه وأم ؟؟ وهلة إذا رفضت الصغيرة الإنصياع إلى مثل هذه التعاليم وفضلت اللهو واللعب مع غيرها من الصغار سيما الذكور فهل عقابها على مثل ذلك اللهو – أى ما كانت درجة العقاب وجسامته – أمراً يستهجنه المجتمع أو تستهجنه الأسره ؟؟ أم تعتبره ضرورة أخلاقية لتعليم الفتيات وحسن إعدادهن للمستقبل ؟؟
هل تعتبر الأسرة المصرية أن إجبار الصغيرة على ترك اللعب واللهو لإجبارها على مساعدة أمها فى أعمال المنزل بكافة أنواعه . عنف يلزم تغييره ؟؟ هل تعتبر الأسرة المصرية أن ذلك السلوك مصادره لطفولة الصغيرة ، وتحميلها لهموم مستقبليه أم تعتبره واجب على الصغيرة يلزم عليها القيام به وخلاف ذلك تقصير يلزم عقابها عليها ؟؟ بل أن بعض الأسر تعتبر أن مساعدة الصغيرة لأمها فى أعمال المنزل أى كانت درجة المشقة فيها ، هو المبرر الوحيد المقبول لديهم لإنجاب الفتيات وتحمل عبئهن طوال العمر " يا مخلفه البنات يا شايله الهم لحد الممات – مثل شعبى " ..
هل تعتبر الأسر المصرية سلوك الفتاه الصغيرة فى رفض خدمة شقيقها الذكر – حتى لو أصغر منها – سلوكاً منطقياً ؟؟؟ أم تراه إعوجاجاً يلزم تقويمه بكافة أشكال العقاب مهما كانت درجة عنفه ...هل ترى الأسر المصرية فى حرمان الفتيات من اللعب فى الشارع – مع غيرها من الأطفال الذكور – ممارسه طبيعية من الأسرة ؟؟ أم تراه سلوك عنيف له أثاره النفسية البغيضة على الفتيات يلزم تغييره ؟؟؟ هل ترى الأسر المصرية فى منع الفتيات من الرقص فى المناسبات الجماعية الخاصة أو الرقص فى المدارس أو التجمعات العامه – بأعتباره سلوكاً مخالفاً للآداب العامة – أمراً فيه اعتداء على طفولتهن ؟؟ أم تراه منع منطقى لسلوك فاسد يقى الفتاه من الفسق المستقبلى ؟؟
هل ترى الأسر المصرية فى ترويع الفتيات من أنوثتهن والعمل على أخفاء كل مظاهرها وعدم الألتفات لها – وهو أمر غريزى – كمنع الفتيات من الاهتمام بمظهرهن والوقوف أما المرآه والتجمل سلوك طبيعى ومألوف ومقبول وله أهمية اجتماعية حيث يمنع فسادهن المحتمل ؟؟ أم سلوك قاهر للصغيرات يلزم إيقافه والاعتراف بحقهن فى ممارسة أنوثتهن بكل الطرق الطفولية ؟؟هل ترى الأسر المصرية – سيما فى المناطق غير الحضرية و الريفيه – أن عقاب الفتيات بحلق رؤسهن وتشبيههن بالذكور بما يصاحب ذلك من ذل ومهانه إجتماعية فى الوسط المحيط للصغيرات أمراً طبيعياً ؟ أم عنف مرفوض يلزم التصدى له وإيقافه ؟؟هل ترى الأسر المصرية فى منع الفتاه من ممارسة الألعاب الرياضية سواء تحت تأثير وهم ممارستها تتسبب فى فقد العذرية أو لأنها تتسبب فى فقدان البنات لأنوثتهن بالمفهوم المجتمعى بتقوية عضلاتهن وتشبههن بالذكور ، أى سلوك قاهر للفتيات ؟؟ أم تراه سلوك طبيعى باعثه الحفاظ على الفتاه وعذريتا ونعومه بدنها – وهى جميعها أشياء تستحق الحماية مهما كان الثمن مقابل ذلك !!!!الحق أن كل التساؤلات السابقة إنما ترصد بعضاً مما تعتبره الأسره ، سلوكاً طبيعياً يلزم ممارسته مع الأنثى الطفلة حماية لها وتدعيماً لمستقبلها دون أن ترى فيه أى سلوك بغيض يلزم إيقافه أو تغييره ودون أن ترى فى إثارة السلبيه وعلى الأخص النفسيه بالنسبة للفتيات أى مشكله يلزم علاجها – وهو السلوك الذى أراه أنا عنفاً منظماً معوقاً للفتيات وقاتلاً لإستقلالياتهن ومهدر لطاقتهن الإبداعية ...يلزم أيضاً تبيان ، أن معظم أشكال العنف الأسرى ضد الفتاه إنما تمارس ضدها بالإساس من سيدات الأسرة " الأم ، الأخت الأكبر ، الجده ، زوجه الأب " ليس فقط بسبب أن الصغيره تلازم أمها فى المنزل وتتشبع بأفكارها وتتحمل منها نتائج القهر الواقع على هذه السيده نفسها ، بل لأن هؤلاء السيدات يحملن فى عقولهن الثقافة المجتمعية السائدة وهن الوسط الناقل لها ، رغم ما فيها من معاداه لهن وتحقير لذواتهن وتكريس للوضع التابع للمرأة ولدونيتها فى مواجهة المجتمع ، ليمارسن ذات السلوك مع الصغيرات فى الأسره بحثاً عن أقصى درجات الحماية – وفقاً لتصوراتهن – من ناحية ودفاعاً عن أنفسهن فى مواجهة رجال الأسره المستعدين دائماً لإتهامهن بالتقصير والفشل فى التربية من ناحية أخرى ...يبقى أيضاً تعقيب صغير بهذا الشأن ، أن مثل أشكال العنف هذه ، لا يخطئها القانون ولا يرى المجتمع كشخص معنوى فى ممارستها ثمه مبرر لتدخله لحماية تلك الفتيات مما يمارس معهن ، فما سبق محض علاقة خاصة بين الصغار و ذويهم لا مبرر للتدخل فيه ، وهو منطق يتسق مع النظرية العامة للقانون فى الموقف تجاه الأبناء كمثل موقف القانون الجنائى الذى يعتبر أن " تأديب الأبناء بالضرب " هو أحد أهم أسباب الإباحة المانعة من العقاب فى جنح الضرب .. بأعتبار أن حق التأديب للآباء هو أحد الحقوق التى تتيح الأفعال الناتجة عنه وجدير بالبيان أن ذلك الحق يشمل الأطفال ذكوراً وإناث ..وإن كان جدير بالبيان أيضاً ، أن الأسرة المصرية وهى تعاقب صغارا ، تفرق بين الصغير والصغيره سواء من حيث سبب العقاب من ناحية أو من حيث جسامة العقاب وتكراره من ناحية أخرى – فالصغيره هى التى تلازم أمها فى المنزل طوال الوقت وهى التى ينتظر منها مساعده الأم فى أعبائها ، وهى التى تفجر فيها الأم كل إرهاقها وآلامها الدفينه بسبب مشاكلها الأسريه والخاصة ، بخلاف الطفل الذكر الشارد خارج المنزل دائماً أما لعمل أو دراسة أو لهو مسموح به – أيضاً فالأم المصرية لا تقسو على أبنها الذكر ، سواء كان لإعجابها الدفين برجولته المبكره حتى لو تمثلت فى أشكال تمرد مختلفه ، أو لأنها تخشى فراره منها إن قست عليه ، على عكس توقعها – ورغبتها – من الفتاه الطفله من حيث الطاعه والتفانى وإنكار النفس بخلاف الخوف من تمردها ( أكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعه وعشرين – مثل شعبى ) مما يدفعها إلى مزيد من القسوه بسبب أصغر خطأ ..
ثانيا ً : العنف المجتمعى
أما إذا انتقل الحديث إلى أشكال العنف المجتمعى التى يمارسها المجتمع ككائن معنوى على الأنثى الطفله ، ومدى قدرة النصوص القانونية على حمايتها من ذلك العنف ، فأننا نسجل فى البداية أن القانون حاول بنصوصه فرض سياج من الحماية للأنثى الطفله " القاصر بلغه القانون " لكن هذه النصوص اصطدمت بالممارسات الواقعية لشخوص وأفراد المجتمع وعلى الأخص تلك الناتجه عن ما يعيشون فيه من أزمات أقتصادية وأجتماعية ، دفعتهم وعلى سند من أوهام وخداع للنفس وتصور أفضل الأوضاع للفتاه ، إلى مخالفة نصوص القانون وانتهاج سلوك أخر ، بصرف النظر عن مشروعيته ، غير عابئين بأن ذلك السلوك فى حقيقته يمثل منتهى العنف والاعتداء على الأنثى الطفله ..ويمكننا الحديث فى البداية عن ظاهرة زواج الفتيات أقل من السن القانونى – وهى الظاهرة التى تنتشر فى الريف والأماكن غير الحضرية ، والتى يعلم بحدوثها وإنتشارها الجميع دونما حاجة إلى إحصائيات أو أرقام – فتزويج الفتيات أقل من السن القانونى ، فى ظل تواطؤ شامل من الأب والمأذون والعريس من ناحية وفى ظل تجاهل عام من أهل القرية أو المنطقة ، وفى ظل شهادات تسنين مزورة أو ممكنة التزوير من أطباء المنطقة من ناحية ثالثة ، إنما هو نوع من العنف المجتمعى الذى يمارس ضد الفتيات القاصرات سيما أنهن لا يكن من الناحية الواقعية " جسدياً ونفسياً " مؤهلات لإتمام الزواج وتحمل أعباءه الصحيه من إنجاب مبكر متلاحق وأيضاً غير مؤهلات لتحمل إعبائه الواقعية من خدمة الزوج ورعاية الأطفال وإنجاز الأعمال المنزلية – بخلاف خدمة أهل الزوج – من ناحية أخرى ..وإذا كان القانون يفرض حمايته على القاصرات بتجريم مثل هذا الفعل وعقاب الأب والمأذون وغيرهم مما شاركوا فى هذا الفعل وذلك بالطبع فى حالة ثبوت إتمام الزواج أقل من السن القانونى للفتاه ، فإن الإشكاليات المترتبه على إتمام الزواج من الناحية الواقعية بصرف النظر عن عقاب المشاركين فيه ، إنما أمر مثير للجدل ، ويجعل نطاق تلك الحماية القانونية قاصر ، سيما أن العامة يعتبروه زواج شرعى حتى لو كان غير قانونى ، بل أن العامة يعتبروا أن تحديد السن بواسطة القانون تدخلاً فى شئونهم وتزيداً من المشرع لا مبرر له – ولا نتصور مثلاً أن اللجوء إلى إبطال عقد الزواج وعدم الإعتداد به – فى حالة إتمامه والعروس أقل من السن القانونى أمراً منتجاً من وجه نظر فرض الحماية القانونية للأنثى الطفله ، إذ أنه يثير مشاكل واقعية وقانونية سواء بالنسبة للزوجة نفسها وطبيعة وضعها القانونى والواقعى – فى حالة إبطال العقد- وأيضاً يثير مشاكل بالنسبة لوضع الأطفال نتاج تلك الزيجه وغيره ..ونحن نرى أن العقبة الحقيقية أمام السيطره على – والحد من - ظاهرة الزواج المبكر للفتيات إنما يستلزم جهداً دعائياً منظماً على مستويات متعدده لتغيير نسق الأفكار السائدة و التى ترتكن جميعاً على أن الفتاه " عار وعوره " يلزم التخلص – السريع – منها بإتمام زواجها بغرض التخلص من العبء المادى من ناحية والمسئولية من ناحية أخرى ..
وأنا أرى أن القانون هنا بجميع نصوصه العقابيه المانعة لوجود هذه الظاهرة وإنتشارها لم ينجح وبشكل حقيقى وملموس فى تقليص هذه الظاهرة أو الحد منها ..ويتزامن مع هذه الظاهره ظاهرة تزويج الفتيات القاصرات عن طريق تحرير العقود العرفيه ، وهى ظاهره لها أماكن انتشار معروفه – مثل بعض قرى الجيزة ، وبعض الأماكن الشعبيه بالعاصمة – والتى تزوج فيها القاصرات بعرب وافدين من بلادهم بحثاً عن المتعه القصيره ، تتجاوز أعمارهم أعمار الفتيات بعشرات السنوات ، ولأن القانون المصرى يمنع توثيق هذه العقود إلا بعد موافقة الجهات الرسميه فى دولة الزوج وبشرط ألا يتجاوز فارق السن بين الزوجين 25 سنه – ولأن السلطات الرسميه فى هذه الدول عادة لا توافق على إتمام مثل هذه الزيجات – بل أن الأزواج أنفسهم لا يبحثون عن موافقات رسميه لأنها تتعارض والهدف الحقيقى من مثل هذه الزيجات ألا وهو المتعة المؤقته – فأن الأسر المصرية الفقيرة وبالتحايل على أحكام القانون وبمعاونه متخصصين فى القانون وتحرير العقود العرفيه وسماسره جلب الأزواج ، تقوم بتزويج بناتها إلى هؤلاء الأزواج بعقود عرفيه بما يترتب على ذلك من ضياع حقوق الفتاه وعدم قبول سماع دعواها أمام المحاكم لعدم توثيق العقد فى حاله إنكار الزوج لتوقيعه على عقد الزواج أو فى حاله رفضه تطليقها .. وما يصاحب ذلك الزواج من مشكلات عمليه وقانونية على الأخص ما يتعلق بجنسية الصغار والذين فى الأغلب – لا يعرفون والدهم بعد سفره ولا يحملون جنسية أمهم طبقاً لأحكام القانون المصرى وهذه مشكله أخرى ..ولأن الجهل بأحكام القانون سائد .. فأن العامه يعتبرون أن الزواج العرفى شأنه شأن الزواج الموثق وله ذات الآثار القانونية هذا بخلاف قناعتهم – الصحيحة – أنه زواج شرعى لا ضرر عليهم من إتمامه ..وإذا كان الزواج العرفى له أثار ضاره بالنسبة للفتيات سيما إذا كان زواجاً بأجانب لا يقيمون فى مصر ولا يعرف لهم محال أقامة فيها أو فى أوطانهم – وإذا كانت هذه الزيجات لا تحظى بأى حماية قانونية من دولة الزوج وقوانينها – فأن الوضع الأخطر و الذى بدء فى الإنتشار كظاهرة هى إجبار الفتيات على ممارسة الدعارة تحت غطاء من تلك الزيجات العرفيه – بأشاعة وهم أن هذه الممارسات الفاحشه إنما هى زواجاً شرعياً يندرج فى ما يسمى بزواج المتعة ، حيث تحرر لهذه الداعرات عقود عرفيه مؤقته تتغير بتغير الرجل دون الإلتزام بأى قواعد شرعيه تخص أحكام الزواج كضرورة إتمام التطليق – وليس فقط تمزيق الورقة سواء بحضور الرجل أو فى غيبته – واستيفاء مدة العدة القانونية والشرعية وغيره ، بل أن الصورة الواقعية تكون بتزويج الفتاه لرجل تقيم معه فى شقة مفروشه أستأجرت خصيصاً لممارسة الفجور وبمجرد سفره أو مغادرته ، يحرر لها عقد جديد بأسم الرجل الجديد وهكذا دائرة مستمره دون أى فواصل زمنيه إلا تلك التى تفرضها الأحوال الواقعية بسبب خلو الشقة أو عدم وجود مستأجرين بها .. والملاحظ أن هذه الممارسات لا تكون سراً على الآباء بل هى أمر شائع يشارك فيه عادة الأب والسمسار والمحامى محرر العقد المؤقت وغيرهم .. بل أن المحامين المتخصصين فى قضايا الآداب ، يدفعون أمام المحاكم ببراءة تلك الفتيات من تهمة الدعارة بأعتبارهن أزواج لمن ضبطوا معهن فى تلك الشقق المفروشة .وهى ظاهرة لا تحتاج إلى أى تعليق ولا يملك القانون – بكل أحكامه وسطوته – علاجاً جذرياً لها – والأمر يحتاج إلى معالجة للأوضاع الأقتصادية التى تدفع الأسر المصرية إلى قبول بيع بناتها سواء بالزواج العرفى من كهول أو ممارستهم للدعارة من شباب أو تزويجهن أقل من السن القانونى وهى جميعها طرق مختلفة للتخلص من العبء المادى للفتيات من ناحية أو أستعمال الفتيات كمصدر للمال بصرف النظر عن مشروعية مصدره من ناحية أخرى وبصرف النظر عن مشروعية أفعالهن من ناحية ثالثة ........ويبقى حديثاً أخيراً عن ظاهرة ختان البنات ، تلك التى يمنعها القانون ، لكنها تنتشر إنتشاراً كبيرا ً، بما فيها من قسوة تصل إلى حد الإجرام بحرمان الفتاه من العلاقة العاطفية والجنسية السوية مستقبلاً ، وبما لها من أثار نفسية جسيمة على الفتاه – وهى الظاهرة التى لم ينجح القانون فى إيقاف حدوثها رغم كل الدراسات التى أجريت و التى أثبتت أثارها السيئة على الفتاه ومن بعدها على زوج المستقبل !!! لكن الخلط العمدى للأفكار الدينية مع العادات الفرعونية القديمة مع الجهل مع رغبات السيطرة على الفتاه وتصورات فسادها و إنحرافها الأخلاقى فى حالة عدم إجراء هذه العملية ، يجعل لها سطوة تزيد على سطوة القانون وهيمنه تزيد عن وجوده ذاته ... بل أن مشاركة بعض الأطباء فى إجراء مثل هذه العمليات ودفاع بعض رجال الدين عنها وبحثهم عن تأصيل دينى لها ، يفرض على هذه الجريمة مشروعية مجتمعية تنال من حظرها قانوناً ...
وإذا كانت الظواهر الأربع السابقة ، هى ظواهر مجرمه أو ممنوعه قانوناً ، لكن المجتمع يمارسها مع الفتيات الصغار فقط ، فإن هناك ظواهر أخرى لا تقل إنتشاراً لكنها لا تخص الفتيات الصغار وحدهن بل تمتد لتشمل الصغار الذكور أيضاً وإن كانت أشد وطأة بالنسبة للفتيات عنها بالنسبة للفتيان الصغار ، كمثل ظاهرة عمالة الأطفال أقل من السن القانونى، فإذا كانت الأسر المصرية ، نتيجة الأزمات الأقتصادية تدفع بأولادها إلى سوق العمل – ذكوراً وإناث – كأحد مصادر دخل الأسرة ...
فإن الصغار الذكور ، رغم كل ما يعانوه من مشاكل فى سوق العمل ، أسعد حالأ من الصغار الإناث ، فالصغار الذكور يتعلمون حرفة أو صنعة فى الورش والمصانع ، ورغم قسوة ظروف العمل وضآلة الرواتب إلا أن أعمالهم هذه تزيد من كفاءاتهم وتؤهلهم لمستقبل أفضل ...
عكس الفتيات و اللاتى ليس لهن مكان فى سوق العمل إلا كخادمات فى المنازل ، وهو العمل الذى لا يؤهلهن إلى أى عمل غيره ولا يكسبنهن أى مهارات تسمح لهن بتغير أوضاعهن المستقبلية إلى الأفضل – فمن بدأت عملها كخادمه فى منزل تبقى مادامت تعمل فى ذات الوظيفة ، لتصادر طفولتها بحرمانها من أسرتها واحتجازها فى مقر عملاها مع أسرة غريبة عنها تخدمهم وتتحمل عقابهم وتقارن نفسها بأطفالهم فلا تجد إلا مزيداً من القهر النفسى لوضعها غير المفهوم لديها و تتساءل عن مبرر خدمتها لأطفال فى مثل عمرها أو يزيد ، تحمل صغارهم ، وتحمل عن كبارهم حقائبهم المدرسية الثقيلة وترتدى ثيابهم الباليه ، وتأكل بقاياهم ، وتلاعبهم دون أن تشاركهم اللعب ، وتحرسهم وتعاقب لسهوها عنهم وهى فى أشد الحاجة للحراسة والحماية ، هذا بخلاف ما تقوم به من مهام داخل منزل الخدمة لا تتناسب مع عمرها من تعامل مع الأجهزة الكهربائية المعقدة وإشعال المواقد وحمل الأثقال .
يضاف إلى ذلك كله ، تعرضها لأشكال العقاب الرادع لأتفه الأسباب و التى قد تصل إلى الحرق بالنار والضرب بكل الأدوات الموجعة ..
ويبين من ذلك أن الأنثى الطفلة ، وقت تخرج إلى سوق العمل ، فأنها تؤدى فيه أكثر الأعمال إنحطاطاً مما يترتب عليه من ناحية حرمانها من أى تطوير لقدراتها تساعدها فى الحصول على مستقبل أفضل ، بخلاف ما تتعرض له من عنف مادى ومعنوى على الشكل السالف بيانه مما يجعل وضعها أكثر تدهوراً من مثيلها الطفل الذكر الذى خرج معها فى ذات الوقت والعمر إلى سوق العمل ..
يبقى حديثاً أخير حول جرائم الإغتصاب التى تتعرض لها الطفلة الأنثى ، وبصرف النظر عن العقوبة القانونية الرادعة لهذه الجريمة ، فأن ما تتعرض له الفتاه من أشكال أخرى من الإنتهاك الجسدى لا ترقى إلى مرتبه الإغتصاب الكامل، أمراً مثير للقلق ، وليس له علاج قانونى لعدم أكتشافه عادة ، سيما أن كان يتم بواسطة أقارب الأسره ومعارفها – يلزم هنا توضيح أننا لا نتحدث عن ظاهرة واسعة الإنتشار لكنها ظاهرة موجودة – فالفتاه الأنثى تتعرض لأشكال مختلفة من الإنتهاكات الجسدية بواسطة الأقارب أو غيرهم من الذكور البالغين المتعلمين معها سواء فى السوق أو الفصل أو غيره ، مستغلين فى ذلك جهلها بتلك الأمور ، وأيضاً مستغلين خجل مفترض لديها يمنعها من إفشاء ما حدث ، وأيضاً مستغلين عدم تصديق الكبار لمثل هذه القصص سيما إن كانت تخص كبار مرموقين فى الأسره أو الوسط الإجتماعى .. فلا يكون أمام الفتاه إلا الصمت وابتلاع تجربة قاسية مريرة بكل أثارها النفسية والتعقيدات المستقبلية المترتبة عليها ..
وهذه الظاهرة ، يقف القانون أمامها عاجزاً للحماية الأسرية التى تفرضها الأسرة على هؤلاء الرجال ، خوفاً من لصق الفضيحة الإجتماعية بأبنتهم ، وأيضاً خوفاً من إيذاء مثل هؤلاء الرجال ، ما يترتب عليه أن تبقى هذه الأمور تحت السطح لا يكشف النقاب عنها مما يساعد على وجودها وعدم معاقبة مرتكبها ..
نتيجة أولى :
وبناء على كل ما تقدم ، فإن العنف الأسرى قبل الأنثى الطفلة لا مجال للحد منه أو حمايتها من وقوعه إلا بتغيير الأعراف والتقاليد والعادات المجتمعيه وعلى الأخص النظرة المجتمعية لدور المرأة الملائم والمقبول لها – فمادامت نظرة المجتمع للمرأة هى كونها زوجة وأم بالأساس – ستظل طريقة التعامل الأسرى مع الأنثى الطفلة كما هى بكل ما تحتويه من أشكال العنف سالفة البيان وغيرها .. فهذا العنف جزء من الإعداد الطبيعى لمثل هذه الأدوار دون غيرها ..
نتيجة ثانية :
أن الحماية القانونية للأنثى الطفلة من العنف المجتمعى قاصرة ، ليس لقصور الأدوات القانونية بل لأن المجتمع بأفكاره وعاداته وتقاليده وأعرافه يحول بين القانون والتطبيق لصالح النسق القيمى سالف البيان
يبقى أمراً أخير......
أن الوصول إلى معلومات تؤكد أو تنفى المشاهدات الواردة فى هذه الورقة ، وعلى الأخص بالنسبة للعنف المجتمعى يمكن من خلال
* مراجعة محاكم الأحوال الشخصية بحثاً عن قضايا الزواج العرفى وإثبات النسب والتطليق من الأجانب .
* مراجعة أوراق القضايا الجنائية بالنسبة لشبكات الدعارة المغطاه بعقود الزواج العرفى لمعرفة مدى إنتشار هذه الظاهرة وأماكن إنتشارها وصولاً إلى الأسباب الإجتماعية لحدوثها ..
* مراجعة مصلحة الجوازات والجنسية لمعرفة عدد النساء المصريات المتزوجات بأجانب – طالبات الأقامة المؤقتة لأبناءهن – وأعمار هذه السيدات وأعمار أولادهن والقواعد المنظمة للتعامل اليومى معهم .
هذا بالطبع بخلاف الأبحاث الميدانية المقترحة حول :
عمل الفتيات كخادمات فى المنازل.ظاهرة ختان الفتيات .الإنتهاك الجسدى عن طريق دراسة أوضاع فتيات المدارس الإبتدائية .
ورقة عمل مقدمة إلى ورشة العمل المنعقدة فى شبرد – يوليو 1994 - ( الأنثى الطفلة )
أولاً : العنف الأسرى
أن دراسه ورصد أشكال العنف الأسرى قبل الأنثى الطفله ، أمر شديد الصعوبه لأن كافة أشكال هذا العنف مختلطة بكافة أنواع السلوك الأسرى قبل الفتاه ومعها كنسيج واحد متشابك ، بحيث يلزم مراجعة كافة أشكال السلوك والتعامل الأسرى مع الطفلة الأنثى و اكتشاف المنطلقات والمرجعيات المسببه لهذا السلوك ، مما – من وجه نظرنا – سيبين معه أن العنف ضد الفتاه جزء أصيل من التراث ، من العادات والتقاليد والأعراف ، المهيمنه على عقل المجتمع شخوصاً وأفراد وككيان معنوى ..والمشكلة فى العنف الأسرى الذى يمارس ضد الأنثى الطفله – أن المجتمع وبالتالى الأسره وأفرادها لا يعتبروه عنفاً – بل يعتبروه سلوكاً طبيعياً لابد من ممارسته معها وفقاً لتصورات الأسره عن الأدوار الطبيعيه للأنثى تلك الأدوار التى تستلزم سلوكاً أجتماعياً جامحاً لطفولتها ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ؟؟؟
هل تعتبر الأسر المصرية وعلى الأخص السيدات فيها " أم أو أخت أكبر أو جده " أن تعليم الفتيات للطبخ وأعمال الخدمة المنزلية – سواء طوعاً من الفتاه أو قهراً لها – نوعاً من ممارسة العنف مع الطفلة ؟؟ أم تعتبره إعداد لازم للفتاه لدورها المستقبلى كزوجه وأم ؟؟ وهلة إذا رفضت الصغيرة الإنصياع إلى مثل هذه التعاليم وفضلت اللهو واللعب مع غيرها من الصغار سيما الذكور فهل عقابها على مثل ذلك اللهو – أى ما كانت درجة العقاب وجسامته – أمراً يستهجنه المجتمع أو تستهجنه الأسره ؟؟ أم تعتبره ضرورة أخلاقية لتعليم الفتيات وحسن إعدادهن للمستقبل ؟؟
هل تعتبر الأسرة المصرية أن إجبار الصغيرة على ترك اللعب واللهو لإجبارها على مساعدة أمها فى أعمال المنزل بكافة أنواعه . عنف يلزم تغييره ؟؟ هل تعتبر الأسرة المصرية أن ذلك السلوك مصادره لطفولة الصغيرة ، وتحميلها لهموم مستقبليه أم تعتبره واجب على الصغيرة يلزم عليها القيام به وخلاف ذلك تقصير يلزم عقابها عليها ؟؟ بل أن بعض الأسر تعتبر أن مساعدة الصغيرة لأمها فى أعمال المنزل أى كانت درجة المشقة فيها ، هو المبرر الوحيد المقبول لديهم لإنجاب الفتيات وتحمل عبئهن طوال العمر " يا مخلفه البنات يا شايله الهم لحد الممات – مثل شعبى " ..
هل تعتبر الأسر المصرية سلوك الفتاه الصغيرة فى رفض خدمة شقيقها الذكر – حتى لو أصغر منها – سلوكاً منطقياً ؟؟؟ أم تراه إعوجاجاً يلزم تقويمه بكافة أشكال العقاب مهما كانت درجة عنفه ...هل ترى الأسر المصرية فى حرمان الفتيات من اللعب فى الشارع – مع غيرها من الأطفال الذكور – ممارسه طبيعية من الأسرة ؟؟ أم تراه سلوك عنيف له أثاره النفسية البغيضة على الفتيات يلزم تغييره ؟؟؟ هل ترى الأسر المصرية فى منع الفتيات من الرقص فى المناسبات الجماعية الخاصة أو الرقص فى المدارس أو التجمعات العامه – بأعتباره سلوكاً مخالفاً للآداب العامة – أمراً فيه اعتداء على طفولتهن ؟؟ أم تراه منع منطقى لسلوك فاسد يقى الفتاه من الفسق المستقبلى ؟؟
هل ترى الأسر المصرية فى ترويع الفتيات من أنوثتهن والعمل على أخفاء كل مظاهرها وعدم الألتفات لها – وهو أمر غريزى – كمنع الفتيات من الاهتمام بمظهرهن والوقوف أما المرآه والتجمل سلوك طبيعى ومألوف ومقبول وله أهمية اجتماعية حيث يمنع فسادهن المحتمل ؟؟ أم سلوك قاهر للصغيرات يلزم إيقافه والاعتراف بحقهن فى ممارسة أنوثتهن بكل الطرق الطفولية ؟؟هل ترى الأسر المصرية – سيما فى المناطق غير الحضرية و الريفيه – أن عقاب الفتيات بحلق رؤسهن وتشبيههن بالذكور بما يصاحب ذلك من ذل ومهانه إجتماعية فى الوسط المحيط للصغيرات أمراً طبيعياً ؟ أم عنف مرفوض يلزم التصدى له وإيقافه ؟؟هل ترى الأسر المصرية فى منع الفتاه من ممارسة الألعاب الرياضية سواء تحت تأثير وهم ممارستها تتسبب فى فقد العذرية أو لأنها تتسبب فى فقدان البنات لأنوثتهن بالمفهوم المجتمعى بتقوية عضلاتهن وتشبههن بالذكور ، أى سلوك قاهر للفتيات ؟؟ أم تراه سلوك طبيعى باعثه الحفاظ على الفتاه وعذريتا ونعومه بدنها – وهى جميعها أشياء تستحق الحماية مهما كان الثمن مقابل ذلك !!!!الحق أن كل التساؤلات السابقة إنما ترصد بعضاً مما تعتبره الأسره ، سلوكاً طبيعياً يلزم ممارسته مع الأنثى الطفلة حماية لها وتدعيماً لمستقبلها دون أن ترى فيه أى سلوك بغيض يلزم إيقافه أو تغييره ودون أن ترى فى إثارة السلبيه وعلى الأخص النفسيه بالنسبة للفتيات أى مشكله يلزم علاجها – وهو السلوك الذى أراه أنا عنفاً منظماً معوقاً للفتيات وقاتلاً لإستقلالياتهن ومهدر لطاقتهن الإبداعية ...يلزم أيضاً تبيان ، أن معظم أشكال العنف الأسرى ضد الفتاه إنما تمارس ضدها بالإساس من سيدات الأسرة " الأم ، الأخت الأكبر ، الجده ، زوجه الأب " ليس فقط بسبب أن الصغيره تلازم أمها فى المنزل وتتشبع بأفكارها وتتحمل منها نتائج القهر الواقع على هذه السيده نفسها ، بل لأن هؤلاء السيدات يحملن فى عقولهن الثقافة المجتمعية السائدة وهن الوسط الناقل لها ، رغم ما فيها من معاداه لهن وتحقير لذواتهن وتكريس للوضع التابع للمرأة ولدونيتها فى مواجهة المجتمع ، ليمارسن ذات السلوك مع الصغيرات فى الأسره بحثاً عن أقصى درجات الحماية – وفقاً لتصوراتهن – من ناحية ودفاعاً عن أنفسهن فى مواجهة رجال الأسره المستعدين دائماً لإتهامهن بالتقصير والفشل فى التربية من ناحية أخرى ...يبقى أيضاً تعقيب صغير بهذا الشأن ، أن مثل أشكال العنف هذه ، لا يخطئها القانون ولا يرى المجتمع كشخص معنوى فى ممارستها ثمه مبرر لتدخله لحماية تلك الفتيات مما يمارس معهن ، فما سبق محض علاقة خاصة بين الصغار و ذويهم لا مبرر للتدخل فيه ، وهو منطق يتسق مع النظرية العامة للقانون فى الموقف تجاه الأبناء كمثل موقف القانون الجنائى الذى يعتبر أن " تأديب الأبناء بالضرب " هو أحد أهم أسباب الإباحة المانعة من العقاب فى جنح الضرب .. بأعتبار أن حق التأديب للآباء هو أحد الحقوق التى تتيح الأفعال الناتجة عنه وجدير بالبيان أن ذلك الحق يشمل الأطفال ذكوراً وإناث ..وإن كان جدير بالبيان أيضاً ، أن الأسرة المصرية وهى تعاقب صغارا ، تفرق بين الصغير والصغيره سواء من حيث سبب العقاب من ناحية أو من حيث جسامة العقاب وتكراره من ناحية أخرى – فالصغيره هى التى تلازم أمها فى المنزل طوال الوقت وهى التى ينتظر منها مساعده الأم فى أعبائها ، وهى التى تفجر فيها الأم كل إرهاقها وآلامها الدفينه بسبب مشاكلها الأسريه والخاصة ، بخلاف الطفل الذكر الشارد خارج المنزل دائماً أما لعمل أو دراسة أو لهو مسموح به – أيضاً فالأم المصرية لا تقسو على أبنها الذكر ، سواء كان لإعجابها الدفين برجولته المبكره حتى لو تمثلت فى أشكال تمرد مختلفه ، أو لأنها تخشى فراره منها إن قست عليه ، على عكس توقعها – ورغبتها – من الفتاه الطفله من حيث الطاعه والتفانى وإنكار النفس بخلاف الخوف من تمردها ( أكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعه وعشرين – مثل شعبى ) مما يدفعها إلى مزيد من القسوه بسبب أصغر خطأ ..
ثانيا ً : العنف المجتمعى
أما إذا انتقل الحديث إلى أشكال العنف المجتمعى التى يمارسها المجتمع ككائن معنوى على الأنثى الطفله ، ومدى قدرة النصوص القانونية على حمايتها من ذلك العنف ، فأننا نسجل فى البداية أن القانون حاول بنصوصه فرض سياج من الحماية للأنثى الطفله " القاصر بلغه القانون " لكن هذه النصوص اصطدمت بالممارسات الواقعية لشخوص وأفراد المجتمع وعلى الأخص تلك الناتجه عن ما يعيشون فيه من أزمات أقتصادية وأجتماعية ، دفعتهم وعلى سند من أوهام وخداع للنفس وتصور أفضل الأوضاع للفتاه ، إلى مخالفة نصوص القانون وانتهاج سلوك أخر ، بصرف النظر عن مشروعيته ، غير عابئين بأن ذلك السلوك فى حقيقته يمثل منتهى العنف والاعتداء على الأنثى الطفله ..ويمكننا الحديث فى البداية عن ظاهرة زواج الفتيات أقل من السن القانونى – وهى الظاهرة التى تنتشر فى الريف والأماكن غير الحضرية ، والتى يعلم بحدوثها وإنتشارها الجميع دونما حاجة إلى إحصائيات أو أرقام – فتزويج الفتيات أقل من السن القانونى ، فى ظل تواطؤ شامل من الأب والمأذون والعريس من ناحية وفى ظل تجاهل عام من أهل القرية أو المنطقة ، وفى ظل شهادات تسنين مزورة أو ممكنة التزوير من أطباء المنطقة من ناحية ثالثة ، إنما هو نوع من العنف المجتمعى الذى يمارس ضد الفتيات القاصرات سيما أنهن لا يكن من الناحية الواقعية " جسدياً ونفسياً " مؤهلات لإتمام الزواج وتحمل أعباءه الصحيه من إنجاب مبكر متلاحق وأيضاً غير مؤهلات لتحمل إعبائه الواقعية من خدمة الزوج ورعاية الأطفال وإنجاز الأعمال المنزلية – بخلاف خدمة أهل الزوج – من ناحية أخرى ..وإذا كان القانون يفرض حمايته على القاصرات بتجريم مثل هذا الفعل وعقاب الأب والمأذون وغيرهم مما شاركوا فى هذا الفعل وذلك بالطبع فى حالة ثبوت إتمام الزواج أقل من السن القانونى للفتاه ، فإن الإشكاليات المترتبه على إتمام الزواج من الناحية الواقعية بصرف النظر عن عقاب المشاركين فيه ، إنما أمر مثير للجدل ، ويجعل نطاق تلك الحماية القانونية قاصر ، سيما أن العامة يعتبروه زواج شرعى حتى لو كان غير قانونى ، بل أن العامة يعتبروا أن تحديد السن بواسطة القانون تدخلاً فى شئونهم وتزيداً من المشرع لا مبرر له – ولا نتصور مثلاً أن اللجوء إلى إبطال عقد الزواج وعدم الإعتداد به – فى حالة إتمامه والعروس أقل من السن القانونى أمراً منتجاً من وجه نظر فرض الحماية القانونية للأنثى الطفله ، إذ أنه يثير مشاكل واقعية وقانونية سواء بالنسبة للزوجة نفسها وطبيعة وضعها القانونى والواقعى – فى حالة إبطال العقد- وأيضاً يثير مشاكل بالنسبة لوضع الأطفال نتاج تلك الزيجه وغيره ..ونحن نرى أن العقبة الحقيقية أمام السيطره على – والحد من - ظاهرة الزواج المبكر للفتيات إنما يستلزم جهداً دعائياً منظماً على مستويات متعدده لتغيير نسق الأفكار السائدة و التى ترتكن جميعاً على أن الفتاه " عار وعوره " يلزم التخلص – السريع – منها بإتمام زواجها بغرض التخلص من العبء المادى من ناحية والمسئولية من ناحية أخرى ..
وأنا أرى أن القانون هنا بجميع نصوصه العقابيه المانعة لوجود هذه الظاهرة وإنتشارها لم ينجح وبشكل حقيقى وملموس فى تقليص هذه الظاهرة أو الحد منها ..ويتزامن مع هذه الظاهره ظاهرة تزويج الفتيات القاصرات عن طريق تحرير العقود العرفيه ، وهى ظاهره لها أماكن انتشار معروفه – مثل بعض قرى الجيزة ، وبعض الأماكن الشعبيه بالعاصمة – والتى تزوج فيها القاصرات بعرب وافدين من بلادهم بحثاً عن المتعه القصيره ، تتجاوز أعمارهم أعمار الفتيات بعشرات السنوات ، ولأن القانون المصرى يمنع توثيق هذه العقود إلا بعد موافقة الجهات الرسميه فى دولة الزوج وبشرط ألا يتجاوز فارق السن بين الزوجين 25 سنه – ولأن السلطات الرسميه فى هذه الدول عادة لا توافق على إتمام مثل هذه الزيجات – بل أن الأزواج أنفسهم لا يبحثون عن موافقات رسميه لأنها تتعارض والهدف الحقيقى من مثل هذه الزيجات ألا وهو المتعة المؤقته – فأن الأسر المصرية الفقيرة وبالتحايل على أحكام القانون وبمعاونه متخصصين فى القانون وتحرير العقود العرفيه وسماسره جلب الأزواج ، تقوم بتزويج بناتها إلى هؤلاء الأزواج بعقود عرفيه بما يترتب على ذلك من ضياع حقوق الفتاه وعدم قبول سماع دعواها أمام المحاكم لعدم توثيق العقد فى حاله إنكار الزوج لتوقيعه على عقد الزواج أو فى حاله رفضه تطليقها .. وما يصاحب ذلك الزواج من مشكلات عمليه وقانونية على الأخص ما يتعلق بجنسية الصغار والذين فى الأغلب – لا يعرفون والدهم بعد سفره ولا يحملون جنسية أمهم طبقاً لأحكام القانون المصرى وهذه مشكله أخرى ..ولأن الجهل بأحكام القانون سائد .. فأن العامه يعتبرون أن الزواج العرفى شأنه شأن الزواج الموثق وله ذات الآثار القانونية هذا بخلاف قناعتهم – الصحيحة – أنه زواج شرعى لا ضرر عليهم من إتمامه ..وإذا كان الزواج العرفى له أثار ضاره بالنسبة للفتيات سيما إذا كان زواجاً بأجانب لا يقيمون فى مصر ولا يعرف لهم محال أقامة فيها أو فى أوطانهم – وإذا كانت هذه الزيجات لا تحظى بأى حماية قانونية من دولة الزوج وقوانينها – فأن الوضع الأخطر و الذى بدء فى الإنتشار كظاهرة هى إجبار الفتيات على ممارسة الدعارة تحت غطاء من تلك الزيجات العرفيه – بأشاعة وهم أن هذه الممارسات الفاحشه إنما هى زواجاً شرعياً يندرج فى ما يسمى بزواج المتعة ، حيث تحرر لهذه الداعرات عقود عرفيه مؤقته تتغير بتغير الرجل دون الإلتزام بأى قواعد شرعيه تخص أحكام الزواج كضرورة إتمام التطليق – وليس فقط تمزيق الورقة سواء بحضور الرجل أو فى غيبته – واستيفاء مدة العدة القانونية والشرعية وغيره ، بل أن الصورة الواقعية تكون بتزويج الفتاه لرجل تقيم معه فى شقة مفروشه أستأجرت خصيصاً لممارسة الفجور وبمجرد سفره أو مغادرته ، يحرر لها عقد جديد بأسم الرجل الجديد وهكذا دائرة مستمره دون أى فواصل زمنيه إلا تلك التى تفرضها الأحوال الواقعية بسبب خلو الشقة أو عدم وجود مستأجرين بها .. والملاحظ أن هذه الممارسات لا تكون سراً على الآباء بل هى أمر شائع يشارك فيه عادة الأب والسمسار والمحامى محرر العقد المؤقت وغيرهم .. بل أن المحامين المتخصصين فى قضايا الآداب ، يدفعون أمام المحاكم ببراءة تلك الفتيات من تهمة الدعارة بأعتبارهن أزواج لمن ضبطوا معهن فى تلك الشقق المفروشة .وهى ظاهرة لا تحتاج إلى أى تعليق ولا يملك القانون – بكل أحكامه وسطوته – علاجاً جذرياً لها – والأمر يحتاج إلى معالجة للأوضاع الأقتصادية التى تدفع الأسر المصرية إلى قبول بيع بناتها سواء بالزواج العرفى من كهول أو ممارستهم للدعارة من شباب أو تزويجهن أقل من السن القانونى وهى جميعها طرق مختلفة للتخلص من العبء المادى للفتيات من ناحية أو أستعمال الفتيات كمصدر للمال بصرف النظر عن مشروعية مصدره من ناحية أخرى وبصرف النظر عن مشروعية أفعالهن من ناحية ثالثة ........ويبقى حديثاً أخيراً عن ظاهرة ختان البنات ، تلك التى يمنعها القانون ، لكنها تنتشر إنتشاراً كبيرا ً، بما فيها من قسوة تصل إلى حد الإجرام بحرمان الفتاه من العلاقة العاطفية والجنسية السوية مستقبلاً ، وبما لها من أثار نفسية جسيمة على الفتاه – وهى الظاهرة التى لم ينجح القانون فى إيقاف حدوثها رغم كل الدراسات التى أجريت و التى أثبتت أثارها السيئة على الفتاه ومن بعدها على زوج المستقبل !!! لكن الخلط العمدى للأفكار الدينية مع العادات الفرعونية القديمة مع الجهل مع رغبات السيطرة على الفتاه وتصورات فسادها و إنحرافها الأخلاقى فى حالة عدم إجراء هذه العملية ، يجعل لها سطوة تزيد على سطوة القانون وهيمنه تزيد عن وجوده ذاته ... بل أن مشاركة بعض الأطباء فى إجراء مثل هذه العمليات ودفاع بعض رجال الدين عنها وبحثهم عن تأصيل دينى لها ، يفرض على هذه الجريمة مشروعية مجتمعية تنال من حظرها قانوناً ...
وإذا كانت الظواهر الأربع السابقة ، هى ظواهر مجرمه أو ممنوعه قانوناً ، لكن المجتمع يمارسها مع الفتيات الصغار فقط ، فإن هناك ظواهر أخرى لا تقل إنتشاراً لكنها لا تخص الفتيات الصغار وحدهن بل تمتد لتشمل الصغار الذكور أيضاً وإن كانت أشد وطأة بالنسبة للفتيات عنها بالنسبة للفتيان الصغار ، كمثل ظاهرة عمالة الأطفال أقل من السن القانونى، فإذا كانت الأسر المصرية ، نتيجة الأزمات الأقتصادية تدفع بأولادها إلى سوق العمل – ذكوراً وإناث – كأحد مصادر دخل الأسرة ...
فإن الصغار الذكور ، رغم كل ما يعانوه من مشاكل فى سوق العمل ، أسعد حالأ من الصغار الإناث ، فالصغار الذكور يتعلمون حرفة أو صنعة فى الورش والمصانع ، ورغم قسوة ظروف العمل وضآلة الرواتب إلا أن أعمالهم هذه تزيد من كفاءاتهم وتؤهلهم لمستقبل أفضل ...
عكس الفتيات و اللاتى ليس لهن مكان فى سوق العمل إلا كخادمات فى المنازل ، وهو العمل الذى لا يؤهلهن إلى أى عمل غيره ولا يكسبنهن أى مهارات تسمح لهن بتغير أوضاعهن المستقبلية إلى الأفضل – فمن بدأت عملها كخادمه فى منزل تبقى مادامت تعمل فى ذات الوظيفة ، لتصادر طفولتها بحرمانها من أسرتها واحتجازها فى مقر عملاها مع أسرة غريبة عنها تخدمهم وتتحمل عقابهم وتقارن نفسها بأطفالهم فلا تجد إلا مزيداً من القهر النفسى لوضعها غير المفهوم لديها و تتساءل عن مبرر خدمتها لأطفال فى مثل عمرها أو يزيد ، تحمل صغارهم ، وتحمل عن كبارهم حقائبهم المدرسية الثقيلة وترتدى ثيابهم الباليه ، وتأكل بقاياهم ، وتلاعبهم دون أن تشاركهم اللعب ، وتحرسهم وتعاقب لسهوها عنهم وهى فى أشد الحاجة للحراسة والحماية ، هذا بخلاف ما تقوم به من مهام داخل منزل الخدمة لا تتناسب مع عمرها من تعامل مع الأجهزة الكهربائية المعقدة وإشعال المواقد وحمل الأثقال .
يضاف إلى ذلك كله ، تعرضها لأشكال العقاب الرادع لأتفه الأسباب و التى قد تصل إلى الحرق بالنار والضرب بكل الأدوات الموجعة ..
ويبين من ذلك أن الأنثى الطفلة ، وقت تخرج إلى سوق العمل ، فأنها تؤدى فيه أكثر الأعمال إنحطاطاً مما يترتب عليه من ناحية حرمانها من أى تطوير لقدراتها تساعدها فى الحصول على مستقبل أفضل ، بخلاف ما تتعرض له من عنف مادى ومعنوى على الشكل السالف بيانه مما يجعل وضعها أكثر تدهوراً من مثيلها الطفل الذكر الذى خرج معها فى ذات الوقت والعمر إلى سوق العمل ..
يبقى حديثاً أخير حول جرائم الإغتصاب التى تتعرض لها الطفلة الأنثى ، وبصرف النظر عن العقوبة القانونية الرادعة لهذه الجريمة ، فأن ما تتعرض له الفتاه من أشكال أخرى من الإنتهاك الجسدى لا ترقى إلى مرتبه الإغتصاب الكامل، أمراً مثير للقلق ، وليس له علاج قانونى لعدم أكتشافه عادة ، سيما أن كان يتم بواسطة أقارب الأسره ومعارفها – يلزم هنا توضيح أننا لا نتحدث عن ظاهرة واسعة الإنتشار لكنها ظاهرة موجودة – فالفتاه الأنثى تتعرض لأشكال مختلفة من الإنتهاكات الجسدية بواسطة الأقارب أو غيرهم من الذكور البالغين المتعلمين معها سواء فى السوق أو الفصل أو غيره ، مستغلين فى ذلك جهلها بتلك الأمور ، وأيضاً مستغلين خجل مفترض لديها يمنعها من إفشاء ما حدث ، وأيضاً مستغلين عدم تصديق الكبار لمثل هذه القصص سيما إن كانت تخص كبار مرموقين فى الأسره أو الوسط الإجتماعى .. فلا يكون أمام الفتاه إلا الصمت وابتلاع تجربة قاسية مريرة بكل أثارها النفسية والتعقيدات المستقبلية المترتبة عليها ..
وهذه الظاهرة ، يقف القانون أمامها عاجزاً للحماية الأسرية التى تفرضها الأسرة على هؤلاء الرجال ، خوفاً من لصق الفضيحة الإجتماعية بأبنتهم ، وأيضاً خوفاً من إيذاء مثل هؤلاء الرجال ، ما يترتب عليه أن تبقى هذه الأمور تحت السطح لا يكشف النقاب عنها مما يساعد على وجودها وعدم معاقبة مرتكبها ..
نتيجة أولى :
وبناء على كل ما تقدم ، فإن العنف الأسرى قبل الأنثى الطفلة لا مجال للحد منه أو حمايتها من وقوعه إلا بتغيير الأعراف والتقاليد والعادات المجتمعيه وعلى الأخص النظرة المجتمعية لدور المرأة الملائم والمقبول لها – فمادامت نظرة المجتمع للمرأة هى كونها زوجة وأم بالأساس – ستظل طريقة التعامل الأسرى مع الأنثى الطفلة كما هى بكل ما تحتويه من أشكال العنف سالفة البيان وغيرها .. فهذا العنف جزء من الإعداد الطبيعى لمثل هذه الأدوار دون غيرها ..
نتيجة ثانية :
أن الحماية القانونية للأنثى الطفلة من العنف المجتمعى قاصرة ، ليس لقصور الأدوات القانونية بل لأن المجتمع بأفكاره وعاداته وتقاليده وأعرافه يحول بين القانون والتطبيق لصالح النسق القيمى سالف البيان
يبقى أمراً أخير......
أن الوصول إلى معلومات تؤكد أو تنفى المشاهدات الواردة فى هذه الورقة ، وعلى الأخص بالنسبة للعنف المجتمعى يمكن من خلال
* مراجعة محاكم الأحوال الشخصية بحثاً عن قضايا الزواج العرفى وإثبات النسب والتطليق من الأجانب .
* مراجعة أوراق القضايا الجنائية بالنسبة لشبكات الدعارة المغطاه بعقود الزواج العرفى لمعرفة مدى إنتشار هذه الظاهرة وأماكن إنتشارها وصولاً إلى الأسباب الإجتماعية لحدوثها ..
* مراجعة مصلحة الجوازات والجنسية لمعرفة عدد النساء المصريات المتزوجات بأجانب – طالبات الأقامة المؤقتة لأبناءهن – وأعمار هذه السيدات وأعمار أولادهن والقواعد المنظمة للتعامل اليومى معهم .
هذا بالطبع بخلاف الأبحاث الميدانية المقترحة حول :
عمل الفتيات كخادمات فى المنازل.ظاهرة ختان الفتيات .الإنتهاك الجسدى عن طريق دراسة أوضاع فتيات المدارس الإبتدائية .
ورقة عمل مقدمة إلى ورشة العمل المنعقدة فى شبرد – يوليو 1994 - ( الأنثى الطفلة )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق